PNGHunt-com-2

المنحى الإيروتيكي بين المجاز والتداعي الناقدغازي احمد ابوطبيخ ونصي الشاعرة رزيقة بوسواليم والشاعر كريم جخيور

المنحى الإيروتيكي بين المجاز والتداعي:
*نص الشاعرة رزيقة بوسواليم Razika Boussoualim -الجزائر،
*نص الشاعر كريم جخيور  -العراق-
(قراءة مقارنة)

غازي احمد
أبو طبيخ الموسوي
……………….........
بُغْية الولوج إلى مقصودنا المحوري من هذا المبحث (الإشكالي) لابد لنا من فهم المعنى المعجمي والإصطلاحي للإيروسية:
وعليه نقول :
تطلق عبارة إيروس على إله الحبّ عند اليونان، وتعني فضلاً عن معنى الحبّ الرغبة الجنسيّة الشديدة. إلّا انّ استعمالاتها المتعدّدة جعلتها تحمل أيضا معاني الميل والهوى والإندفاع نحو اللذّة الحسّيّة أو الجنسيّة وأيضًا الرغبة العارمة في التملّك والإستحواذ. و”في الاصطلاح الفرويدي وعند بعض علماء النفس الذين استلهموا هذا المفاد، ارتدت الكلمة معنى أكثر اتّساعًا وتباينًا يتراوح بين المفهوم الجنسي المحض والرغبة عموما”.1 ،ويطلق عليه أيضًا في الاصطلاح النفسي اسم “المبدأ الفاعل” وتسمّى طاقته المحرّكة بـ”الليبيدو”. وينعت بالإيروسي كلّ ما يتّصل بالغريزة الجنسيّة وينشأ عنها أو يحرّكها.
بيد أنّ مايهمنا من هذا الإصطلاح تحديدًا كيفيات استخدامه وتوظيفه والإفادة من طاقاته الحيوية في تخليق الافعال الإبداعية عموماً والقولية منها خصوصاً،ومن القول الشعر بجميع طرازاته وهو مانحن بصدده في هذه الدراسة القراءة الكثيفة. 
ولقد كان حضور  مفهوم هذا الإصطلاح-ولانقصد لفظه الحرفي- كوسيلة للتعبير عن المكنون الفردي والجمعي قديماً جداً غرباً وشرقاً،عند الاغريق والرومان والهند والصين والادب العربي ايضاً،بل كان ظهوره قوياً حدّ الذيوع والإنتشار ،تقول الكاتبة آمال رضوان :
(أمّا تاريخُ الكتاباتِ العربيّةِ، فمنذ الأدبِ الجاهليِّ الذي احتوى الكثيرَ مِن الحضورات الإيروسيّةِ بجرأةٍ فاحشةٍ،وكذلك في زمن الجاحظِ والتّوحيديّ وابن حزم، وفي كتاب ألف ليلة وليلة، والتّيفاشيّ والتّيجانيّ والإمام السّيوطي المتوفّى عام 911 للهجرة كتبٌ جنسيّة متخصصة، وكذلك عند النّفزاوي الطّبيب الفقيه مؤلّف كتاب "الرّوض العاطر في نزهةِ الخاطر"، وهناك موقع ألكترونيٌّ مستوحى مِن شخصيّةِ هذا العالِم المغربيّ، وهناكَ كتبٌ فقهيّةٌ لم تَخْلُ مِن معالجاتٍ جريئةٍ لمواضيعَ جنسيّةٍ بحتة، كآدابِ النّكاحِ وأنواعِ الجنسِ وأوضاعِهِ)،ومن الواضح الإتفاقي أن البدايات تعود إلى مُعلّقة امرئ القيس التي تحتشدُ بالكثير مِن الألفاظِ الإيروتيكية الصريحة، وكذلك عند أبي نؤاس الذي تحول إلى ظاهرة قوية الحضور، ولا ننسى العقد الفريد لإبن عبد ربه الأندلسي الذي تضمّنَ رواياتٍ مشفوعة بكثير من الصور  الجنسيّةً والكلماتٍ الإيروتيكيّة.
ولقد حضر كل هذا التاريخ إلى ذهني وأنا اتابع نص الشاعر كريم جخيور-أحد طرفي الحوار-
متسائلاً عن آفاق تلكَ العصور الواسعة على قدمها؛ فهل كانَ ذلكَ المجتمعُ أكثرَ تسامحًا أم أكثر وعياً، وهل كانتْ أمورُ الحياةِ تُناقَشُ بحرّيّةٍ واستفاضةٍ أكبرَ ودونَ تورّعٍ أو تهيّبٍ، أم أنّ هناكَ حسابات أخرى قامَ عليها ذاكَ الانفتاح آنذاك، مَردُّهُ الاستفادةُ لا الإثارة؟
إذًا، لماذا تقلّصَ وجودُ الإيروسيّةِ مع نهايةِ القرن التّاسع عشر في ثوبِها الضّيّقِ المحدودِ، ثمّ عاودتْ ظهورَها والجنسَ الضّبابيَّ والمكشوفَ في الرّوايةِ بالقرنِ العشرين؟!..
وكم اعجبني سؤال الكاتبة آمال عواد رضوان (أليسَ هناكَ لغةٌ بمبناها ومعناها وإبداعِها الفنّيّ، عبّرتْ عن بشاعةِ الواقع والظّواهر السّلبيّةِ، وعن الجسدِ بما يختلجُهُ مِن مشاعرَ إنسانيّةٍ، بلغةٍ ساميةٍ راقيةٍ، وبلغةٍ متواريةٍ وبإشارةٍ عابرةٍ لا تخدُشُ الحياءَ، كما فعلَ ماركيز، وغسّان كنفاني، دونَ أن يخوضا في تفاصيلِ وصْفِ العلاقةِ والمضاجعة، إلاّ بأسلوبٍ مرهَفٍ دونما إسفافٍ، ودونما استعمالٍ لكلامٍ مؤذٍ للبصرِ والسّمع والذّوق والحواسّ؟).
هذه التساؤلات تحيل بدورها إلى هدفنا من تناول قصيدتَي رزيقة بوسواليم وكريم جخيور،بحيث نتمكن من استشفاف ماوراء الإستخدام المكثف للمفردات والتراكيب بل الأنساق الإيروسية بقصدية توظيفية هادفة.
ولا بد لنا ونحن نلج متن المقارنة من الإقرار بأنّ
الرجل الكاتب او الشاعر يتمتع  بمساحة من الحرية أكبر من التي تتمتع بها المرأة الكاتبة أو الشاعرةعلى عموم التجربة الانسانية والعربية على وجه الخصوص،لذلك تقل النصوص الشعرية المحسوبة على المنحى الأيروسي التي تكتبها الشواعر والكاتبات،أو تكون في الغالب أقل جرأة عند المرور بمفردات الجسد،حيث لا تسمى الأشياء باسماءها،بل يتم ترميزها بأساليب بلاغية متنوعة،كما هو الحال في المقطع الشعري التالي لغادة السمان(آه صوتك صوتك!/ وأدخل من جديد مدار حبك / كيف تستطيع همساتك وحدها ان تزرع تحت جلدي / ما لم تزرعه صرخات الرجال الراكضين خلفي بمحاريثهم؟!).
أما حديثاً ومع قصيدة النثر، حيث البحث المستمر عن حقول دلالية جديدة في الكتابة وابتداع الأساليب والمداخل المتنوعة،أصبح التطرق في الطرح لأحوال النفس الخبيئة ورغبات الجسد الدفينة متاحاً الى حدٍّ ما،مع الإختلاف الواضح في طبيعة التناول،فشريحة الفعل التعبيري العادي المباشر،تختلف كثيراً عن شريحة المبدعات الموهوبات اللواتي يمتلكن المؤهلات الرفيعة،وبالاخص حيازتهن على أحوال ومَلَكَات بالغة الضرورة  تمتد لتشمل الشعراء بكثير من تفاصيلها نجملها بالتالي:
أولاً: الجراة الادبية الواعية،والوعي هنا اشتراط وحصانة وغاية.
ثانياً:نضج الاداة التعبيرية التي تمنح المبدعين عموماً قدرات كبيرة على التوظيف والتوجيه والتوليف والتغليف معاً .
ثالثاً :القدرة التحويلية التلقائية ،بما يبعد المجاز أو الأقنعة أو الإستعارات عن التعسف أو التكلف،من أجل أن ياتي المشهد الصوري بديهياً ممتلئاً بالحياة،بحيث تكون الإشارات والإلماحات الإيروسية ماءً حيوياً يبعث النشاط في بنية الحمل التعبيرية ،
ويزيد في جاذبيتها الجمالية الرشيقة السياقات،بعيداً عن التنزل أو التبذل باي شكل من الأشكال .
رابعاً:النبوغ التوظيفي الهادف..
وحديثنا هنا يخص الادب المعمق الغائي،الذي لايتعامل مع هذا المنحى من منطلق الفعل العادي،وإنما يورده كمجازٍ ترميزيٍّ أو استعاريٍّ لبطانة رؤيوية أو موضوعية أكثر عمقاً..وهو المنحى الذي نصغي إليه بإمعان.هذا التشخيص لايختص بالمبدعات وحسب، وإنما يتعداه كما أسلفنا إلى المبدعين بنفس الوقت والمضمون، 
وفق نسبية معينة طبعاً، وقد كثرت الشواهد على ذلك،ومنها نص الاديبة رزيقة بوسواليم التالي:

( فصلٌ في العِناق ،،،/***

أضمُّ خيالي ،
أرفع تنُّورتي ساقاً عن تراب السَّماء ،
الرُّكبة تغار
من أختها الركبة
وهي تخالط فخذ الرِّيح الشَّفاف .

كظلّ تُقبِّلَني
كظلٍّ تستهلكني
علبة سردين
من زمن الصَّيد البحري ،
كظلٍّ تتشمَّمني
كظلٍّ تركبُ بطني السَّابعة
التِّي حَملَتْك جنينا مشوَّهًا  .

في رئتيَّ
لك شوقٌ  ،
مذ عانقتُكَ
عرفتُ الرِّئة كائناً  يتنفَّس عشقاً
وأنَّ قفصك الصَّدري
مصيدة القلب .

عناقٌ على جناح ذبابة
عناق قصير ،
عناق طويل ،
عناق حارّ ،
عناق برمش ،
عناق بمذاقاتٍ ساخنة ،
لا أستطيع الآن فرز كريَّاتك من دَمي .

أعانقُك
يعني أقرأك ،
أعانقك
يعني
أكتبك ،
أعانقك يعني
أقبّلك بشدِّة
وأنسى سكين شفتي ولساني الحادَّ
يذبح لسانك السَّام جدًّا داخل فمي التُّفاحة .

الشَّاهد على الجريمة
عناقٌ ترك ظلين يذوبان على الحائط
وهرب بفردة حذاء واحدة .

رزيقةبوسواليم )..

ألسؤال الأهم في مثل هذا المضمار: ترى هل استطاع الشعراء الإرتقاء بالنص من القصدية الاباحية الى المستوى الفني والجمالي والتحليلي لمصطلح إيروتيك الذي يخضع اكثر للتنظير ؟.
هذا النص دليل واضح على توافر مثل هذا التوجه المجازي الجمالي البليغ.
وهذه قصيدة واعية جدا،تفقه معنى مباركة الرب للعلاقة المقدسة بين الرجل الإنسان  والمرأة السَّكَن..
شاعرة تفهم معنى  ديمومة الشغف لردم أكبر فجوة  في الحياة الإجتماعية،ضرورة قصوى تمنح الحياة جدواها ومعناها العميق،فمن هناك تبدأ الرحلة عبر الهدأة والاتحاد الحميم إلى منتجع السلام الروحي الباهي..
إنّ أروع مافي النص هذا الأداء التعبيري الناضج المعمق الناضح،فكراً وفناً وسيكولوجيا تحليليةاستبطانية في ذات الوقت.  
ومن هذا النص بذاته سنجيب عن السؤال عبر المقارنة بين نصي الشاعرة والشاعر .
إذ يبدو أن تفجير اللغة يحتاج إلى موضوعات  متفجرة أيضاً، وهذا ما وقفنا عليه في القصيدتين،حيث استخدمت المفردات الخاصة بالشهوة في قصيدة كريم جخيور كالنهد،القبل ،مطر الغيمات بما فيه من إيحاء ،وكذلك عند رزيقة بوسواليم ،اللسان ،لف الساق بالساق ،العناق الطويل الفخذ....مفردات من حقل دلالي متقارب، يراد به تصوير لحظات من الإلتحام أو الرغبة المشتعلة ،مع اختلاف الإلماحات مرة وتقاربها أخرى.
إنما نتلمس في القصيدتين هذه الجرأة الغائية الواعية النادرة، رغم اختلاف الاسلوب،اذ يغلب الرمز الشفيف والايحاء الموحي في نص الشاعرة رزيقة التي تفهم بفطنة لمّاحة طبيعة اشتغالها وغائياته أيضاً كما في قولها في إحدى نصوصها:
(أكتب الجنس
ممارسة بين الكلمات
فتفور مناطقي الحساسة وأعوي جمرة في براري النار) .
او في قولها:
(ليعرف أنِّي المُرسلةُ من بين أصابعه القصيَّة ،
ماءَ فضَّةٍ ، وحمحمة جمرٍ ، وإبريقًا يسيلُ بالشهواتِ ).
فبين التصريح والتلميح تجيد بلاغيات التورية وفن تحويل النظر بعيداً عن موضعية المشهد( أرفع تنُّورتي ساقاً عن تراب السَّماء )،فان تقول شاعرة (أرفع تنورتي)يكون الذهن قد تهيّأ لمشهد أكثر إيغالاً،ولكن شاعرتنا تحيل إلى موضعية نائية تقطع بها حبل التركيز،وتوجهه باتجاه اخر غير متوقع(ساقي عن تراب السماء)فيتشظى التركيز بحثاً عن التأويل:ترى عن أي تراب تتحدث رزيقة،وعن أية سماء؟!،
أليس المفروض أصلاً أن يقترن التراب بالأرض أو بالجسد،فلماذا أحالته باتجاه السماء،كمن يحاول أن يُحدِثَ فصلاً؟!..
والأمر ذاته
الرُّكبة تغار
من أختها الركبة
وهي تخالط فخذ الرِّيح الشَّفاف..
لماذا هذا المركب (فخذ الريح الشفاف)الذي يصعب فك رموزه،أوتأويله..تلك الظاهرة التعبيرية البلاغية تتكرر عندها في كثير من نصوصها الحافلة بالأعماق. 
بينما يأخذ الشاعر مساحة أكبر من الحرية التعبيرية،حيث اتخذ نصه منحىً ذاتيّاً ،وجعل من نفسه بطل الحدث الشعري المحوري في قصيدته :  
(هكذا أمتدح نسائي!!..
……………….. 
ربما
أنا الأقل بينكم
من تزدهر أيامه بالنساء
عشيقات
أو مومسات كن
أو عابرات وحشة
بيد أنني أكثركم وفاء
ولطفا
ولهذا أمتدحهن بقصائدي
أعرف أن اللذائذ شتى
ولكن ما يميزها لهفة القلب
وارتعاش الجسد
أتذكرها بنت الجيران
كان نهدها أبيض
ودافئا كالحليب
اعتمرت مرتين
وتنوي الآن طواف الحج ثالثة
ريفية كانت
ولا تعرف من القبل
ما يجعل الليل قصيرا
وأخرى أتذكرها
صارت الآن تكثر من الصلاة
وزيارات الأضرحة متضرعة
لعل الله أن يغفر لها
ما أضرمته من حرائق
في ليالي الصيف.
كنت أحفظ عن ظهر قلب
أوقات (الحَلّة) لاعدادية الخالصة للبنات
فلا يمنعني مطر
ولا حر
أقف متأنقا ببنطالي (الجارلس)
وقميصي ذي الياقة الطويلة
مداعبا شعري (الخنافس).
كانت الرسائل أوراقا ملونة
ولا تخلو من قلبين مطعونين
بسهم مدبب.
كبرت شياطيني
مع هذا
كنت قليل الخطى
في شارع بشار
حيث عطر النساء المومسات
يغري أرجل الرجال بالسرعة
ورائحة الشبق
لا تنطفئ أبدا
حين فشلتُ ضحِكَتْ
كانت سمراء خلاسية
أعادت لي الخمسة دنانير
أخذتها وخرجت منكسرا
لم أخبر أحدا
في المرة القادمة
نجحت بامتياز
خرجت بقامة فارهة
فرحا كنت
فزدت الخمسة دينارين.
خمسة للقوادة
وديناران للخلاسية.
في الحرب
الحرب الطويلة
كانت المدينة تخلو من الرجال
والنساء مثل لبوات جائعات
كنت أعاشر بنت رفيق
وكان هو يجاهر بالدفاع عن الماجدات

انفرطت أقراطها ذات يوم
على السرير
وحين عادت لتأخذها
أغرانا السرير ثانية
كانت ماهرة
تعرف كيف تضيـئ المكان
بلا شموع.
في سوق البصرة القديمة
كانت النساء
يتصيدن الباعة
فالحصار يطعن العفة
أغمضت قلبي
وبادلتها بهجة الجسد
ب3 كيلوات من المعجنات
النساء كثيرات المواجع
كانت تأتي بعد أن تهجع القطارات
على خطوط سكة المأوى
ويذهب العمال
لتناول الغداء وإقامة الصلاة
بينما في غرفتي يشتعل البياض
يصير قبلا ترقص
حتى أنني كنت أحاذر
أن ينكسر خصرها
وهي تتلوى على السرير
وآخر المواجع
غيمتي
هذي التي كلما لوحت لها
فاضت علي بالقبل
لتزيدني ارتواء.
ألم أقل لكم
أنا أكثركم حبا
للنساء. ).

وبملاحظة مستويات الصدق في النصين وحتى مع جرأتهما نلاحظ أن التوظيف كان محكما وأن الايحاء في النصين متوافر متكاثر،لكن هناك ابتعاد عن المباشرة التصريحية في نص بو سواليم التي تؤسس لإطروحة محددة بعينها ،وما هذا الضخ الإيروسي إلا أليةً لتحقيقها إبداعياً،في حين كان الإنكشاف التصريحي واضحاً على سياقات وأنساق الشاعر كريم جخيور الذي يهدف إلى غاية آيديولوجية أخرى،ومع كل مفردات وانساق الشاعرة والشاعر المنفتحة على أقاصي حرية التعبير ،ولكننا نرى أن نسبة الايروتيكية بالقصيدتين لم يصل الى حدّ الإباحية كما تصور البعض بخصوص قصيدة الشاعر كريم خاصة،كونه كان هادفاً الى غاية ما،وربما غايات متكاثرة كنا ذكرنا آنفاً،من بينها إشارات ذات خلفية سياسية،وأخرى ذات خلفية تحليلية نفسية و سوسيولوجية،من هنا كانت بعض مشاهد أرشيفه ذات غلاف إيروسي نعم..
ولكنها تنطوي في دخيلتها على أصابع تأشير ساخرة ولاذعة كما في قوله:
(أتذكرها بنت الجيران
كان نهدها أبيض
ودافئا كالحليب
اعتمرت مرتين
وتنوي الآن طواف الحج ثالثة).
ولقد ذكرتنا طبيعة تناولات رزيقة المختلفة بحال بعض  قصائد الأخطل الصغير،
حيث يسمي الجسد بالهضبة والتلة والنهد رمانة والشفتين خطين أحمرين على كأس،والشهوة  حصان جامح في وصفه للعلاقة الجسدية.كما ونلاحظ أن هناك اقتداء ببعض قصائد أدونيس في ديوانه "المسرح والمرايا " حيث تحدث عن الإنوثة بأسلوب كثيف الترميز،وقد وصف درويش نفسه بالشاعر المحتشم رغم حبه للإيروسية.
إنما يحتاج الأمر إلى قدرة عالية في المواجهة ،أما وعيا بالواقع المعيش أوخلوداً للصمت الحكيم. ولقد لاحظنا من خلال متابعتنا الشخصية لطبيعة التعليقات التي كتبها البعض تحت قصيدة الشاعر كريم جخيور بما يشي حتى بنوع من الإساءة أو التشكيك القيمي أو محاولة تعميم الحدث الشعري مجتمعياً أو محلياً،ولكن الشاعر كان هادئاً حصيفاً واعياً يرد بلطف ينم عن استيعابه لمستويات الوعي المحيط.ولا أكتم شعوري بالحزن حد الرغبة في التداخل توضيحاً لا سِجالاً.
ولقد كان لنا مبحث سابق له علاقة أكيدة بطبيعة الإشتغال الشعري  خاصة، قلنا فيه إن على الشاعر أن يكون مشروعاً قائماً للإفتضاح الايجابي العبقري،
بحيث يفيد منه الناقد والأديب وعالم الإجتماع وعالم النفس ،
وتلك مقولة فرويد الشهيرة حول مصداقية المبدعين وكذب المرضى قد أطبقت على آفاق الشهرة والذيوع،ومن هنا دعا إلى التداعي الحر الذي كان الأصل المنهجي الذي انطلق منه أندريه بريتون في البيان السريالي الاول،والذي يغلب على ظني أن الشاعر كريم جخيور كان في صميمه خلال بوحه بهذا النص الذي ينطوي على جرأة أدبية فائقة،بينما كانت رزيقة حاضرة الوعي ضمنياً،تقود عناصر خلقها وحدثها الشعري بقصدية مجازية شاعرية واضحة التركيز،عكس الشاعر العراقي الذي تداعى سردياً،كمن يحكي يومياته لصديق حميم!!. 
يقول يسنين:
" أتعرف ماذا يعني أن تكون شاعراً؟
هو أن تخلع جلدك بِنَقاء ، وتجعل الناس يغتسلون بِدمك".
يسينين هذا من مواليد ١٨٩٥-١٩٢٦
وهو شاعر وكاتب روسي مات بعمر ثلاثين عاماً.
وهكذا يكون كريم  جخيور-كما يبدو واضحاً-قد  أحال نفسه الى متفجرة ضوئية،ولم يعبأ بماذا سيحدث لجسده الواقعي والابداعي،فالأهم عنده أن يعلن ذاته مشروعاً للإدانة والفضح والاحتجاج والكشف الصريح،بعيداً عن المباشرات الوعظية الثقيلة الدم،والتي ماكان يعيرها أي انتباه أصلاً.
شاعر أفاد عميقاً من أساليب السرد الشعري المرهفة المجسات،وصولاً إلى حاجة في نفسه،يبدو أنه قضاها عبر هذا النص الجرئ ملتحماً ومتناصاً مع مجموعة من شعراء العربية الذين طرقوا ذات الغرض،تعبيراً عن  الشعور بالفقد مرة،وكشفاً لكثير من المسكوت عنه أخرى،خاصة وقد برزت عدة أحوال ذات فحوى فكري وربما سياسي على وجه التحديد مثلاً:
(كنت أعاشر بنت رفيق
وكان هو يجاهر بالدفاع عن الماجدات) !!..
إنها مباشرة تحتشد واقعاً بكثير من الإحتقان ،وكثير من التوتر ،وكثير من الرغبة بالإنتقام،حد اللجوء إلى مايشبه الشتيمة وكشف العورة !!،وتلك ظاهرة تتصل عميقاً بأثر رجعي بنوع المعاناة التي كابدها الشاعر شخصياً ذات ماض ليس ببعيد.
كما وقد أورد ما يمكن إحالته ضمنياً إلى مرحلة تاريخية بعينها حين يقول:
( كانت النساء
يتصيدن الباعة
فالحصار يطعن العفة).
ولا ريب أن مرحلة الحصار إلماح ضمني الى مشهد الحصار التراجيدي إبان العهد السابق،وهي دسيسة تعبيرية بليغة في سياق السرد الذكوان،سيما والرجل معروف بانتمائه اليساري،
فليس من غرابة في إدانته لعهد عانى منه شخصياً.
ومن باب الحق أن نقول الحقيقة كما هي بنزاهة وانصاف.
ختاماً لقد شخصنا منطقة التلاقي ومواضع الاختلاف بين النصين،كونهما مختلفين في المنهج التعبيري،وطبيعة التوجه الفكري،ونوع التركيز المحوري. وعليه نقول انهما تمكنا من توظيف الإيروسية كوسيلة تعبيرية بنجاح واضح ،ولكنهما مختلفان في الغاية ،مختلفان في الإسلوب،وذلك أمر نحسبه لصالح الطرفين ،باعتباره تعبيراً واضحاً عن الخصوصية ،التي نعتقد أنها بالغة الضرورة لجميع المبدعين.
………………………
1- لالاند، 2001، مج1، ص 360..
2-قصيدة هاتف ليلي لغادة السمان من ديوان أعلنت عليك الحب صفحة 7،
منشورات غادة السمان،بيروت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق