PNGHunt-com-2

الوعي الأجناسي عندالكاتبة هويدة عبدالعزيز(عانم) بقلم الناقد غازي أحمدأبو طبيخ الموسوي

ألوعي الأجناسي
عند الكاتبة هويده عبدالعزيز ( هويده غانم  ) ( مصر):
…………………………………………   
بدءاً..
يندر أنْ نرى صاحب تجربة إبداعية نثرية على وجه الخصوص يقوم  بتشخيص جنس نصه بدقة واعية وثقة عالية،وخاصة حين يكون جنس النص هو(الخاطرة).
فقد لمسنا جهلاً واضحاً بقيمة واعتبار هذا النوع الأدبي البالغ الأهمية،حدّ توهّم البعض بأنه جنس أدبي أدنى من غيره ،بحيث (ينزعج) كثيراً حين تخبره،أن نصه من جنس الخاطرة !!..
في حين بادرت أديبتنا بهذا الفرز الذكوان منذ البداية،وتلك لعمري ظاهرة مائزة تحسب لها ،ليس لقطع الطريق على تشخيص الناقد والمتلقي،وإنما تعبيرًا عن مستوى الوعي،وترسيخاً لنوع أدبي يكاد يصيبه الإهمال.
النص:
……...
(دُعاءُ الكروان         (خاطرة)
…………………
اِبقَ أبَدَ الآبِدِينَ مُخَلَّدًا فِي قَلبي ،
كما نقشَ الزُّهادُ محبّتَهم في زُمَرِ الليالي
تعالَ .. لأُنبِّئَكَ عن تَأْوِيلِ ألفِ ليلةٍ و حِكَايةٍ
لم أحْيِها بَعُدُ ،
في شَوَارِدِكَ العجيبةِ
وشطحاتِك الغريبةِ
لأقصَّ عليهم
بعضًا من
سَجَايَاك الفريدةِ وفرائدِكَ الطريفةِ البعيدةِ المرامِ.
أَحْكِي لهم عن كلِّ شَاردةٍ و وَاردةٍ،
قلَّ أو كَثُرَ راوُوها
لا أَمْلِكُ ذاكِرَةً مَحْضةً تَشْتَهِي الخَلاَصَ.
وتَشهدُ بَراءتُها التخلي.
أيها الآبِقُ، دَعْ عنَّا كلَّ ما يُرِيبُكَ
من تأويلِ الأعاجيبِ ، وطلاسمِ المكاتيبِ
فكلِّ أُعجوبةٍ متفردةٍ بذاتِها، مأخوذةٍ بجمالِها
إني تيقَّنتُ بأعجوبتكَ
في عوالمِ قلبي قبلَ مجيئِكَ
فمدارُ الحالمِ
لو رُسمَ، لأَرَّختْ أمانيَهُ مآقي العيونِ،و فاضتْ بمكنونِها الجفونُ،
فبعضُ الرؤى تتفجرُ كالماءِ في الأصلابِ،
فنبصرهُ ملْءَ العيونِ، وبعضُها يناجيكَ سرُّها
كالأطيارِ في الأسحارِ، فسُبحانَ من أفضى لها بِسِرِّ الأكوانِ
وسِفر ِالإصباحِ و دوحةِ الأذكارِ و روحةِ الأشعارِ.
خبِّرْنِي عن تواردِ واردٍ لأردَّ به نمقَ الأحاديثِ،
فلا مـراءٌ يحجبُ الناظرَ، رُبَّ شَهيةٍ أفسدَ مطلبَها التمني، أيها المتفردُ بعَباءةِ الليلِ، أيُّ عُرسٍ تُقيمُهُ الريحُ
في محافلِ السُّهادِ، و ينثرُ رحيقَهُ السهرُ،
فيترجِمُهُ الصمتُ إشراقًا
أيها المترفِّـعُ عن سياقِ الكلام ككوكبٍ دُريّ
أسرّ إليَّ ببعضِ الحديثِ، أيها المقيمُ في قلبي؛
المُرْتَحِلُ على فمِ القصيدِ ...الماكثُ غيرَ بعيدٍ .
الَمــنــزوي بــعــيــدًا كَكُلِّ مساءٍ؛
المُحتجبُ في روشنِ الكلماتِ كلحنٍ سرمديٍّ
أُحِـبُّكَ...).
         هويده غانم
..
وللتبيان تجدر بنا الإشارة إلى أننا لم نقرأ ما يمنحنا تعريفًا واضحًا لهذا اللون الأدبي في الموروث الحي ،ونعني جنس الخاطرة ؛ إنما يمكن الإستفادة من  التعريفات التي قدمها بعض الباحثين،حين شبّهوها بالمقال من حيث الإسلوب السياقي،وليس المضمون الشعوري،لكن ذلك الإقتران ،أسهم في تصنيفها ضمن النّصوص النثريّة الّتي لا تلتزم بوزنٍ ولا قافية،وتجري بشكل عفويّ، وتبتعد عن الإطالة، وتعبِّرُ عن فكرةٍ وإحساسٍ مُعيّنٍ يجولُ في خاطرِ الكاتب.
وفي مثل هكذا حال يُمكن استخدام مايشاء الكاتب من المحسَّناتِ ،
كالسجع على سبيل الإفتراض ،
تقول الكاتبة مثلًا:
( لم أحيها بَعدُ،
في شَوَارِدِكَ العجي/بةِ و شطحاتِك الغري/بةِ) وبهذا تكون الخاطرة قد تضمّنت بعض توصيفات الشعر، مع أنَّنا لا نستطيع أن نجزمَ أنَّ الخاطرة تصيرُ شِعرًا ببعضِ المحسّنات البديعيّة او السجعات الموسيقية، ولكن يُمكننا القول: إنَّها تتضمّن بعض خصائص الشِّعر، أي: المُوسيقى الدّاخليّة،والسجع من انواع الموسقة،لأنه يخلق إيقاعًا،ولكن وجود الإيقاع لايعني الشعر البتة،وكم من منظوم على عروض الخليل،لاشعرية فيه،كالمنظومات الألفية التعليمية( ألفية بن مالك في النحو العربي مثلاً).
من هنا فإنّ وجود أيّ شكل من أشكال الموسيقى في الكلام لايعني اعتباره شعراً على الإطلاق،إلّا بشروط الشعرية الاساسية،ويكفينا النثر القرآني الكريم المرسل دليلًا  ساطعاً.
من ناحيةأخرى نود الإشارة إلى نقطةٍ مُهمّةٍ وهي
طريقة الكتابة، فبعض الكتَّاب يكتب نصَّه النَّثري أو خاطرته، كما يكتب قصيدة التَّفعيلة تماماً،
أي: مُوزَّعة على أسطرٍ تطولُ وتقصرُ بحسبِ التَّداعي الشُّعوري،ونحن هنا نستعير للتذكير ماطالبت به نازك الملائكة بهذا الصدد ،حيث أوجبت كتابةَ
النَّثر بملءِ السَّطر، لاتقليدًا للشِّعرِ الحرِّ الّذي يُكتَبُ بتلكَ الطّريقة الموزَّعة على أسطرٍ بناءً على تكرارِ التّفعيلات،وهذه سمة أخرى عملت عليها كاتبتنا هويده غانم بحذق واع.
وكم هو جميل هذا التناص الذي تم اختياره بشكل ذكي ومقصود في العنوان.مع أننا نقترح وضع العتبة بين قوسين تقوية للإشارة.
هذ التناص في العتبة،هو إلماح محبب الى قصة دعاء الكروان التي كتبها العميد طه حسين عام ١٩٥٩م،والتي تحولت الى واحد من أهم عشرة أفلام مصرية ناجحة.
وتلك في الواقع إبراقة تشي بطبيعة الخط ،وأعني صلة إسلوب الساردة بأساتيذها الممهدين،كالمنفلوطي وجبران.
أما السمة اللافتة الاولى التي أشرنا إليها آنفاً ،ونعني  تشخيص جنس النص من قبل صاحبته( خاطرة)،فنؤكد تكرارًا إنها رؤية واعية و بارعة ومتواضعة معًا،مع مافي النص من شعرية تتغلب على كثير مما يطلق عليه بعض المبتدئين اسم قصيدة نثر ،كونهم  لايجيدون الفرز بين الجنسين،إلّا ثلة قليلة من أصحاب المواهب والآفاق الذين  خبروا ماهية إبداعهم ،فسلكوا إليه السبيل.
أما السمة الثانية المضيئة فهي صلة النص بالموروث الحي،وتلك أصالة تحمل ضرورتها جذرا وتصعيداً وتحديثًا،وهو أمر له علاقة بما ألمحنا اليه آنفا حول الممهدين.
واما الثالثة،
فقوة الحضور الشعوري الدال على صدق الإحساس الفياض، الذي يحقق أروع مستويات اللقاء بين الفعل الابداعي والجمهور،والذي يؤكد في ذات الوقت إيمان المبدع بما يقول..

في الختام نقول:
إن الاشتغال النقدي على مستويات (البديع والبيان والمجاز)في هذه الخاطرة الناجحة  أمر يطول الخوض فيه،ولكننا نؤكد حضور جلّ الاغراض البلاغية وبسياقات ناضجة، بعيدة عن التكلف مع قوة نسجها وعمق أنساقها،
فضلًا عن اغتراف النص من المجس الوجداني الصوفي العاشق البعيد الغور بوفرة شعورية عالية المفاد.
هذه السمة بالذات شكلت في الواقع روح خطاب هذه الخاطرة،ولأن النص الإبداعي كائن مكتفٍ بذاته كما يؤكد الشكلانيون والبنيويون1،
فواجبنا هنا هو التأويل،بغية ربط عناصر خلق هذا النص بالخارج،ذاكرة ثقافية ،وواقعاً محيطاً.
والأمر البالغ اللطف أنّ كاتبتنا  تستحضر مشاعر رابعة العدوية وبن الفارض وجلال الدين الرومي مثالًا ،ثم تجمع بين الوجد والوجدان العاشقَين في بوتقة واحدة.
من هذا المنطلق نرى أنّ نوع المعشوق قد اختلط حدّ أن يكون مثالًا،(تورية أواستعارة أو قناعاً)،وكل غرض بلاغي حصرناه بين قوسين توًا،يمثل احتمالًا وارداً بدلوهِ قمين.
……………………………… 
1-مواقف سلبية من الشعر والشعراء،دكتور د.حسين عبود الهلالي ،ص 177.

غازي احمد ابوطبيخ
الموسوي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم