PNGHunt-com-2

مستقيل وبدمع العين أمضي (أخطاء القيصر الفادحة):الأديب هاني زريفة

مستقيل وبدمع العين أمضي
(وأخطاء القيصر الفادحة)
بقلم: هاني زريفة

     كلَّما استمعت لقصيدة (مستقيل وبدمع العين أمضي) الّتي غناها القيصر كاظم الساهر، شدّني الصّوت الشَّجي الرّخيم، وسحرني اللّحن، وأدهشني التصوير، والإمكانات الكبيرة الّتي حشدت للقصيدة؛ ولٰكنّني سرعان ما أشعر بالأسىٰ والخذلان، حين أدرك بالسليقة أنّ أخطاء جسيمة شوّهت القصيدة وأخلّت بوزنها العروضيّ.
فهل يمكن أن يكون الدّكتور مانع سعيد العتيبة - علىٰ ما هو عليه - قد وقع بكلّ هٰذه الأخطاء؟!

     الشاعر من مواليد الإمارات /١٩٤٦/، درس الاقتصاد في بريطانيا وجامعة بغداد، وحصل علىٰ شهادة الدّكتوراه، في الاقتصاد والعلوم السّياسيّة، من جامعة القاهرة، وعلىٰ الإجازة في الأدب العربي من جامعة محمّد بن عبد الله في فاس بالمغرب.
تبوّأ العديد من المناصب منها: وزير البترول والصناعة، ومستشار الشيخ زايد.
صدر للشّاعر اثنان وسبعون ديواناً، ورواية واحدة، والعديد من الدّراسات في الاقتصاد والبترول.
شعره سهل ممتنع، يتميّز برهافة الإحساس والحزن والشّجن (في الغزل) وللفراق نصيب وافر في قصائده.

     كلّ ما سبق دفعني إلى اليقين بأنّ العتيبة لا يمكن - بأيّ حال من الأحوال - أن يكون قد وقع بكلّ هٰذه الأخطاء القاتلة، وانّ وراء الأكمة ما وراءها.

     بحثت عن دواوين الشّاعر في المكتبات الإلكترونية فلم أجدها، بسبب حقوق النشر.
     لجأت إلى (الكوكل) فوجدت العجب العجاب... انتقلت إلىٰ (اليوتيوب) لأجد أن ملقي القصيدة قد زادوا علىٰ أخطاء القصيدة أخطاء الإلقاء واللّفظ المقيت.
فأدركت أنّ جميع هٰذه المواقع، قد قامت بالنّسخ واللّصق، عن أوّل موقع نشر القصيدة (حتى بالحروف النّاقصة من النّصّ) مما شوّهها وأخلّ بوزنها، كالكثير من عيون قصائد الشِّعر العربي؛ والتي عمدت إلىٰ تصحيح بعضها ونشرتها إلقاءً علىٰ قناتي علىٰ (اليوتيوب).
وتمنيت لو أنّ القيصر - على مكانته المرموقة - قد حصل على القصيدة من مصدرها، أو استعان بخبير لتصحيح ما ورد فيها من أخطاء.
والآن إلى القصيدة، وسأضطرّ لاستخدام مصطلحات يعرفها الشّعراء ودارسو الأدب:

     القصيدة على بحر الرّمل، وهو بحر شجيّ حزين استخدمه الشّعراء لقصائد الهجر والفراق (الأطلال للدّكتور إبراهيم ناجي)، ورويّها الضّاد المكسورة، وهي قافية قاسية، وقد اشتهر الشّاعر بهذه القوافي (العين أيضاً)، وهذه تكاد تكون سمة عامةمن سمات شعر الخليج، فصيحه ونبطيّه، وهي من تأثيرات البيئة الصّحراويّة القاسية، ولكنَّ الشّاعر طوعها بشكل ساحر، فزادت قصيدته جمالاً.
ويتّضح من الأبيات أنّ عروض القصيدة (آخر تفعيلة في الشطر الأول) على وزن (فاعِلُنْ)، عدا البيت الأول الّذي اقتضى التّصريع أن يكون على وزن الضّرب.
وضرب القصيدة (التّفعيلة الأخيرة في الشّطر الثّاني) على وزن (فَعِلاتُنْ) ويجب على الشّاعر الالتزام بهما حتّى نهاية القصيدة.
ومن خلال مراجعتي للعديد من من المواقع، اتضح لي أنَّها جميعاً شوّهت القصيدة وأخلّت بوزنها في عدّة أبيات، ولم أصل في أيِّ منها إلى النّصّ الأصلي؛ لأنها جميعها نقلت عن بعضها بطريقة النّسخ واللّصق.
     أمّا القيصر كاظم الساهر فقد صحّح بعض الهفوات، وغفل عن بعضها الآخر.
وفيما يلي أهمّ الأخطاء الّتي وقعت فيها هذه المواقع:
     ١- داخلت بين صدر البيت وعجزه في كثير من الأبيات.
     ٢- في البيت الثّاني:
لم يعد صدر الحبيب موطني        
                لا ولا أرض الهوىٰ (مهدٌ) لأرضي
فكلمة (مهد) حقّها النّصب، وفي الحالتين يصبح ضرب البيت على وزن (فاعِلاتُنْ) وضرب القصيدة على وزن (فَعِلاتُنْ) كما أسلفنا وهذا غير جائز، وقد تنّبه السّاهر إلى هذا فغناها : (لا ولا أرض الهوى المذبوحِ أرضي) وهنا يستقيم الوزن.  
     ٣- في البيت الرّابع:
(سعاد) أخبري من عن هوانا سائل
                أنّ هذا القلب محتاج (لنبضي)
فكلمة (سعاد) على وزن (فَعولُنْ) وهي ليست من بحر الرّمل، وكلمة (لنبضي) لا تحتاج هنا إلى ياء المتكلم، بل حقها الكسر لأنها خفّفت عن تنوين الجرّ، ولم ينتبه القيصر لهذا الأمر، فغنى كلمة سعاد في مقطع شبه مستقل وسكنها لأنها لا تستقيم مع اللّحن ولا مع الوزن، والصحيح أنّ كلمة (سعاد) أقحمها عاشق سعاد ما في البيت جزافاً ونقلها الآخرون دون تبصّر، والبيت هو:
أخبري مَنْ عن هوانا سائل
               أنّ هذا القلب محتاج لنبضِ
     ٤- في البيت السّادس :
وإذا حانت صلاة فاجمعي
                  بعض دمعي وتوضّي
عجز البيت هنا مكّون من تفعيلتين فقط والصحيح ان يكون بثلاث تفعيلات، ويبدو أنه قد سقط منه كلمة او مقطع على وزن (فاعِلاتُنْ) أو (فَعِلاتُنْ)، وأعتقد أنّ البيت كان:
وإذا حانت صلاة فاجمعي
            (في وعاءٍ) بعض دمعي وتوضّي 
أو في إناء أو ما شابه ليستقيم الوزن.
     ٥- في البيت التّاسع:
انثري شعرك حولي انثريه
              واحضنيني فمعاً آخر ليل العمر نقضي
في الصدر (انثريه) على وزن (فاعِلاتُنْ) وعروض القصيدة (فاعِلُنْ) وهذا غير جائز، والعجز يتكون من أربع تفعيلات ويجب أنْ يكون ثلاث تفعيلات، والصحيح ان البيت على النّحو التالي:
أنثري شعرك حولي أنثري
                فمعاً آخر ليل العمر نقضي
وبهذا يستقيم الوزن.
     ٦- في البيت العاشر: هكذا يصبح موتى (مدهشٌ) والصحيح مدهشاً وصححها كاظم.
٧- البيت تلحادي عشر :
واعذريني يا حياتي لم أعد (قادرٌ)
                    إلّا على الصَّمت لترضي
صدر البيت يجب أن ينتهي بكلم (لم أعد) وكلمة (قادر حقها النّصب، وصححها السّاهر:
واعذريني يا حياتي لم أعد
                  قادراً إلّا على الصَّمت لترضي
     ٨- البيت الثاني عشر والأخير:
ووداعاً يا أحبائي (وداعٌ)
                    (أنا) متعب و العين تحتاج (لغمضي)
في الصدر (وداع) حقها النّصب، وفي العجز (أنا متعبٌ) وزنها (مُتَفاعِلُنْ) وهي ليست من الرّمل، وأرى أنّ كلمة (أنا) أقحمت جزافاً في البيت، وغفل عنها القيصر وياء المتكلم في (غمض) لا لزوم لها، والبيت هو:
ووداعاً يا أحبائي وداعاً
                   متعب والعين تحتاج لغمضِ
وبذلك يستقيم الوزن وتصبح القصيدة جميلة خالية من الأخطاء على هذا النحو:
١- مستقيلٌ وبدمعِ العينِ أمضي
هٰذهِ الصَّفحةَ مِنْ عمري وأمضي
٢- لم يعدْ صدرُ الحبيبِ موطني
لا ولا أرضُ الهوىٰ المذبوحِ أرضي
٣- لم يعدْ يمكنُ أنْ أبقىٰ هنا
فهنا يبكي علىٰ بعضي بعضي
٤- أخبري مَنْ عَنْ هوانا سائلٌ
أنَّ هذا القلبَ محتاجٌ لنبضِ
٥- ألا إنْ غادرتِ دنيا حبِّنا
فالهوىٰ عهد سيبقى دونَ نقضِ
٦- وإذا حانتْ صلاةٌ فاجمعي
(في وعاءٍ) بعضَ دمعي وتوضي
٧- طهَّر الدمعُ ذنوبي كلَّها
وسقىٰ أرضَ المحبينََ وأرضي
٨- لم يعدْ يمكنُ أنْ أبقىٰ هنا
فهنا يبكي على بعضي بعضي
٩- أنثري شعرَك حولي أنثري
فمعاً آخرَ ليلِ العمرِ نقضي
١٠- هكذا يصبحُ موتي مدهشاً
عانقيني قبلي عينيَّ وامضي
١١- واعذريني يا حياتي لم أعدْ
قادراً إلَّا علىٰ الصمتِ لترضي
١٢- ووداعاً يا أحبائي وداعاً
متعبٌ والعينُ تحتاجُ لغمضِ

     والأسئلة الّتي لا تنفكّ تراودني: هذه المواقع التي أصبحت تعدّ بالآلاف، ويديرها أميّون، وأشباه أميّين، هل جاءت من قبيل الصّدفة، وعفو الخاطر؟ ومن الّذي حشد لها كلّ هذه الإمكانات الماديّة والفنيّة والتّقنيّة؟! وهل جيلنا النّاشئ قادر فيها علىٰ تمييز الغثّ من السّمين؟! وهل من قوّة علىٰ وجه الأرض قادرة بعد علىٰ إيقافها وردعها؛ لتستطيع الأجيال الوصول إلىٰ أدبها وتراثها دون بتر وتشويه؟! وهل مؤسساتنا الثّقافية والأدبيّة (الأهليّة والرّسميّة) عاجزة عن إنشاء مواقع مؤهّلة، تقدّم أدبنا وتراثنا بحلّة زاهية تليق بهما؟! ولماذا لا تزال تنأى بنفسها عن الخوض في هذا الفضاء الأزرق، وقد أضحىٰ أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم