قراءة الناقد غازي أبو طبيخ الموسوي بعنوان الهاطس الوجودي في نص د. عبدالجبار السلامي والملكة النرجسية عائشة عبد المنعم _مصر
آفاق نقدية
"""""""""""""
الهاجس الوجودي
في
نصَّي الدكتور عبد الجبار السلامي -العراق-
والملكة النرجسية عائشة عبدالمنعم- مصر-
(قراءة موجزة).
غازي احمد ابوطبيخ
الموسوي
………………………………
لاحظنا عبر عموم تاريخ الأدب
ان الشعر دائم التجدد والتحديث على مستوى العالم ،وهو يتبادل التأثير والمعطيات مع سائر الفنون، وفيه ملامح من الرسم والنحت أيضاً، والكلمات في حقيقتها (أشياء ،وليست إشاراتٍ لغوية وحسب)*، كما هو الأمر في النثر غير الشعري.
هذه المفردات أشياء طبيعية تنمو كالعشب والأشجار، وللكلمة شكلها الصوتي ومظهرها البَصَري .
هناك من الشعراء من يؤثر فكره في الكتابة أكثر من وجدانه رغم أن الشعر عادة هو لغة الوجدان والعواطف وأداة التعبير المناسبة عن الشعور أو عن الارهاصات النفسية والواقعية المؤثرة به .ولقد منحت قصيدة النثر الشعراء أدوات كثيرة تمكنهم من كتابة نصوصهم الشعرية ذات الهاجس المتغرب،أكثر مما تمنحه لشعراء العمود أو التفعيلة على اعتبار أن اللغة في النثر تتفاعل كثيراً مع الخرق والانزياح والرمز ولأن أساليب قصيدة النثر التي "تعد وسيلة كشف وتغيير"* تقبل بكل التحديثات حتى أغربها كما يقول أبو الأدب الوجودي جان بول سارتر.
وضمن هذا السياق كانت تجربة الشاعرين-موضوع المطالعة-وسنبدأ مع الدكتور السلامي أولاً،بسبب كون عمله يمثل مرجعية رؤيوية لنص الشاعرة.مع انّ نصه لم يعتمر قبعته او رواقه الذي يسمح لنا بالولوج او الخروج بحسب بورخيوس،ونعني العتبة العنوانية،ولكنه مكتفٍ بذاته،أو ربّما هكذا اراد شاعره ان يكون صادماً من بدايته الناطقة بالألم..
(1):
…………………
*
(وجوديَ المزيف
لن يستمرّ طويلا
فستأكل مرارةُ الواقع مِنسأةَ الوهمِ
لأتدلى باسما الى فُرجة العدم
أنا احتاجُ الى لحظةِ انقراض
أمارس بها تفكيرا
بدرجة الصفر
أحتاجُ أنْ أهشّمَ مرايا التناص الوجودي
واتأملَ وجهي هناك
في ظلمةِ العدم)
د.عبدالجبار السلامي
*
إن ما ينطوي عليه هذا النص الكثيف،من الرغبة في إعادة الحياة إلى لحظة البدء من جديد،لا يختص بالمستوى الشخصي كما نلمح عليه ظاهراً..كلا.. فإطروحة النص تقترح إعادة النظر بمجمل المبحث الإنثروبولوجي ..
ذلك لأنّ شيوع ظاهرتي الإحتجاج والإدانة باتت ثيمة عامة وناتج طبيعي جداً لمآلات الحضارة الانسانية الحالية تبرز تمظهراتهما إبداعياً وسياسياً وفلسفياً على أصعدة متكاثرة.. هذه المآلات التي أثبتت بما لا يقبل الشك فشلاً ذريعاً على عدة مستويات،بما فيها هذا المنجز التكنولوجي الضخم، لانه ماعاد قادراً عل إقناع شاعر مرهف معمق كالسلامي بإيجابيته أو جدواه،كونه منجزاً مبنياً على عدة مغالطات ذات جذور نفعية أو سلطوية بعموم مصادرها الحاكمة ،وهي ذات الرؤية التي دعا من خلالها فرديريك نيتشه الى ضرورة تفجير مصادر التنظير القيمي والفكري عموماً ثم إعادة خلق المنظومة الحضارية من جديد،ذلك لانّ التسليم لأعراف القطيع سيُمَكِّن حاكميات الإستغلال النفعي للقيم من إستخدام هذه الاغلوطة المروعة المغمسة بالدماء لخدمة ألغرض المؤشر بكل وضوح في أطاريح ميكافيللي المعروفة،ومعلوم أن كل ما بني على باطل فهو باطل..
إنّ دعوة الشاعر لإعادة دورة الحضارة من جديد ليست حديثة على المستوى التنظيري طبعاً،إنما أن يتبناها شاعر عربيٌّ عراقيٌّ تحديداً ،وفي إطار شعري وبمقترح مبتكر،بلا إعلان أو تصريح أو لافتة ناشزة مرفوعة بطريقة إستفزازية ،بل كان يتحدث بضميره الشخصاني المبركن بالإحتجاج الصادق،لحاجة في نفسه،سيقضيها عبر الإبداع، وعلينا نحن أن نكتشف جديده الجمعي البعيد المدى،جديده الضمني الداعي إلى ضرورة إعادة صياغة دورة الحضارة الانسانية الحالية بدءاً من نقطة الصفر!!..
لأنها قادت الى الدمار الشامل أفعالاً واسلحة ودماً مسفوحاً على طرقات السابلة!! ..
،،،
وانطلاقاً من ذات الهاجس الدفين تفصح الناثرة
عائشة عبد المنعم عن توجساتها من الماحول الضاغط،وهي واحدة من الشاعرات اللاتي نقلن أزمة الانسان النفسية،الاستلاب،عبثية الحياة ،الغربة الروحية والجسدية في هذا الوجود، الى الشعر فكانت قصائدها أقرب من حيث المضامين إلى عوالم "توماس ستيرنز إليوت"،أقول عوالم ومناخات،ولا أقصد الإسلوب ،فغايتها الأساسية تكمن في التعبير عن النقمة والإحساس بالضياع ورفض الكون على حالته الحالية.وتلك منطقة التلاقي الرؤيوي مع الدكتور السلامي.
لقد قطع الشاعر الفرنسي الكبير آرثر رامبو كل علاقة له مع الشعر في التاسعة عشرة من عمره القصير.
وغايتي من هذه الإشارة الإلماح إلى صلة الشاعرة عائشة عبدالعليم بقصر فترة الحضور الشعري،ومع ذلك فقد بقيت في ذاكرتنا ،لأن الإبداع الحقيقي هو الذي يمتح من بئر الدخيلة العميق،
والذي سيظل هو الأهم والأقدر على التعبير عن حقائق النفس الإنسانية في جانب،وعن حقائق الحدث الكوني المحيط في جانب أخر..
عائشة عبد العليم تنتمي هاجسياً الى جيل المبدعين الرؤاة،الذين لا يكفيهم الوقوف عند السطح الانفعالي أو العاطفي،
مع أهميته بل ضرورته بخاصة اذا تداخل مع البوح العميق،فلسنا معترضين عليه إطلاقاً ،ولكن هدفنا هو الفرز والتمييز ،وتبقى مسألة التفضيل والإختيار تابعة للمبدع نفسه،ورب ناقد يدخل على خط التفضيل أيضا،ولكل صاحب خيار زاوية نظره الخاصة.
من هنا بات جلياً ان الشاعرين ينتميان الى شريحة المتأملين الباحثين عن الحقائق الجوانية والكونية المفكرة.
كما وأن عائشة عبدالمنعم ومنذ متابعاتنا الأولى لِما تكتب،رأيناها ترفع ضمنياً لافتة احتجاج ، أويافطة إدانة ، لا بد أن يكون لها دوافعها ومسبباتها،ولهذا المدخل البالغ الأهمية مبحثه التحليلي الدفين ،والذي يحتاج منا إلى استبطانٍ تحليليٍّ متفرّس، يحيط علماً بالمقدمات،طفولة وبيئة ونشأة وتوجّهاً ثقافياً وعَقَدياً.وهذا ما لا يسمح به الظرف والميقات وطبيعة وسائل الإتصال.
تجدرالإشارة إلى أنها انقطعت عن الكتابة فجأة ،ثم غابت عن الأنظار،
ولانعرف عن مصيرها شيئاً.
نص الشاعرة:
………………..
(سيئة الحظ
……………..
يا ٱبنة الكون الكريه!!
وحدك بيضة جوفاء
سقطت في حظيرة الخراف
فرت عنك فصيلتك
أم أن جناحك المبتور
لا يليق بالحرية?!
والإنسياق خلف صحابة القطيع
وراثة أم تقليد للرعاة
قش يملئ العقل هش
ألإدراك حالفك وخانهم
خانوكِ !.
سقط من المدى حلمٌ
كان يوماً حلمك حلمهم
تفسير إنسان
لا هيكل إنسان
والوحي الذي أتاكِ في هيئة منذر
ليس إلا بقايا شيطان
فلا الأرض تقرأ بصماتك
ولا الماء يمتزج بعجينتك
ياسيئة المصير).
…
المهم في الأمر ،إن من نتحدث عنها :
شاعرة نثرٍ، مصرية، مدنية الوعي والموروث،عاشت منذ طفولتها في مركز المدينة ،
بعيداً عن أجواء الريف التي تميل بالمبدع كثيراً جهة الخيار الرومانسي غالباً.
بينما أخذتها بيئة المدينة وتعقيداتها الحياتية وضواغطها الاجتماعية والفكرية ،وحجبها الميكانيكية والكونكريتية ،إلى رحلة بحث عمودية بحثاً عن أفق بديل علّه يفتح الباب على مصراعيها على عالم أوفر جمالاً، و أكثر إقناعاً..
،،، إنّ
تساؤلات الدكتور السلامي اوعائشة عبدالمنعم تمثل امتداداً -من نوع ما-إلى عوالم الشعراء المتغربين الرافضين عالمياً وعربياً ،وهم شريحة المتمردين على الواقعين الحياتي والفكري السائد أمثال رامبو وبريتون وأمل دنقل وحسين مردان ،كونهم مبركنين بزحام القلق والأسئلة الكونية المتكاثرة !..
هذا السؤال تلمسناه من خلال إحساسنا بارتحالات هذين الشاعرين الشديدة الغربة وجودياً: زمانياً ومكانياً،حتى في عموديات وتفعيلة الدكتور السلامي التي مافتئت بنية حمل لذات الهواجس الفلسفية الجذور.
وذلك لا يعني تبنيهما للرؤية الوجودية السارترية من الحياة والفكر والمجتمع مثلاً،كلا تماماً،وعلى العكس من ذلك،فهما أقرب الى عوالم كل من كريك جارد الدنماركي،أو أمل دنقل أوعبدالامير الحصيري العراقي مثلاً،ونحن هنا نقصد القلق الميتافيزيقي والواقعي معاً،فكل هؤلاء جزء من شريحة واسعة عالمياً،روائيين وتشكيليين ومسرحيين وشعراء، تشعر بالغربة بشكل ضاغط جداً ، كإحساس ومناخات عامة،وليست متبنيات عقائدية أو فكرية معينة بذاتها.
ومعلوم ان كريك جارد وعموم شريحته في حينه مثلاً يمثلون الخط الوجودي المنحاز إلى استلهام الكتاب المقدس،بالتقابل مع الخط السارتري عموماً،ولهذا ارتبط في الذهن هاجس عائشة التعبيري معه،فقد تلمسنا محاولات
البحث فيما وراء المحيط الضاغط واضحة لديها،انطلاقاً من الدافع الداخلي العميق الضاغط بدوره،كديدن متواصل بحدود ما اطلعنا عليه من نصوصها،حتى أنها كانت تلحّ على التعبير عن هذا اللون من الهواجس دون أن تتنازل عن اعلان براءتها الكاملة من كل ما يجري من حولها من الأغاليط الكريهة ،مصرحة بكل وضوح
انها تمثل خط الإدراك ، بالتقابل مع خط القطيع !!.
وتجد أن من واجبها اعلان خطيئة اصحاب الشأن -من دون أسماء- بحق أهداف القطيع(المستلب)،
أوربما غايات الحقيقة الإيمانية الإنسانية عموماً،
والتي سرقت خطايا الماحول،بعموم حاكمياتها الهاصرة الكثير الكثير من كشوفها وإشراقاتها الكبرى..
هذان الشاهدان الإبداعيان يمثلان إعلاناً عن الشعور بالخيبة والإحباط بلسان الشعب،خاصة في هذه المرحلة التاريخية لعموم الساحة العربية ،ليكون بدوره مدخلاً لإعلان الإدانة والإحتجاج العام . ……………………………...
*من المقالة التي كتبها جان بول سارتر عام 1945 وصارت مقدمة لمجلته الأزمنة الحديثة لاحقا.
*المصدر نفسه.
تعليقات
إرسال تعليق