PNGHunt-com-2

إضاءة الناقدة مرشدة جاويش على نص (على ذمة الريح) للشاعر محمد الدمشقي

اضاءة راقية جدا من الشاعرة و الناقدة السورية القديرة مرشدة جاويش لقصيدتي (على ذمة الريح)

مرور عام في الفينومينية الموظفة بدينامية حية والتجليات التجريدية للحزن بالدلالة القطعية والإحتمالية الظاهرة وتلازمية الحكمة في نص
// على ذمة الريح // للشاعرالسوري القدير محمد الدمشقي
النص :
للريحِ ذاكرةٌ إذا احترقَ المدى
ولئن تلاشَى الصوتُ فالسرالصدى
والحلمُ ينثرُ في الوجودِ أريجه
حتى ولو أفضى الطريقُ إلى السُّدى
في عتمةِ الأحزانِ تلمعُ نجمةٌ
من نورها شعرُ الحنينِ توقَّدا
و الآهُ... عطرُ قصيدةٍ في نزفها
عبقٌ ومن دمعاتِها فرَّ الندى
تلك المواجعُ أمنياتٌ لم تمت
حين الأسى فوق الضلوعِ تمدَّدا
فتناثرتْ قطراتُها رقراقةً
لتعيدَ ألوانَ الزهورِ إلى المدى
والمنحةُ الخضراءُ كانت محنةً
والغيثُ قد كان الغمامَ الأسودا
واليسرُ من أنيابِ عسرٍ أشرقتْ
أنواره وعلى الظلامِ تمرَّدا
أيقظْ سناكَ فكلُّ غيمٍ راحلٌ
والفجرُ يبزغُ حاملاً معه غدا
والليلُ يمضي حين تسطعُ لهفةٌ
في قلبِ مشتاقٍ إلى الحبِّ اهتدى
فإذا الصباحُ أطلَّ من تنهيدةٍ
ورمى المخاوفَ والهمومَ وغرَّدا
واستيقظتْ أشعارُهُ وكأنها
خرجتْ إلى الأنوارِ من كهفِ الرَّدى
لا ضوءَ يخبو في فؤادٍ عاشقٍ
مهما استبدَّ به الظلامُ وعربدا
فاهجرْ أنينَكَ والتفتْ نحو المنى
ولئنْ ضللتَ فعدْ إليكَ مجدَّدا
وانظرْ إلى الآفاقِ نظرةَ باشقٍ
عشقَ السَّنا... ومع السماءِ توحَّدا
وارفعْ طموحك فوق سقفِ أناكَ وانزل...
من ظلالِ غرورها كي تصعدا
لا عطرَ يسمو دون سجدةِ خافقٍ
حين استفاقَ الوجدُ فيه تنهَّدا
محمد الدمشقي

استقراء عام وتمهيد
النص الحداثي يعتبر موازياً كنص آخر في الولوج العتبي
وعلامة فارقة للنص لأنه مرتكز بل النواة العامة التي سكب عليها نسيج النص
ليدرك المتلقي خفاياه ويثير الحدسية لديه كإغواء
لمتابعة النص فهو سلطة للنص حتى لولم يعتمد عليه كلياً كفك شيفرة أساسية لكنه مولد فعلي للتفاعل والإستمتاع بجماليته وفنيته وتحديد الثيمات الخطابية فيه من هنا أتدرج بالقول :
الدراسة :
((على ذمة الريح ))  من العنونة والمتن نجد أن الريح تأنسنت
فعادة الإنسان هو من يمتلك الذمة أوعدمها
لكنه الناص تقصّد ذلك بتلك الصورة البيانية الفارعة وهذا ماسيتوضح من خلال نسيج النص
و// الريح // هي التكتل الهوائي المتحرك والمتنقل
فهناك غائية إلى توجيه بنية النص وفق ازدحام الأنا من موضع لآخر لتوصيف الحالة الأنوية التي اعتمدها الشاعر بحوارية ذاتية توصيفية تعطي للريح سرها لتبقى شاهدة على التراكم الكمي فهي الأجدر
للإبقاء على كل مايترمد
// للريحِ ذاكرةٌ إذا احترقَ المدى
ولئن تلاشَى الصوتُ فالسرالصدى//
فالوجيب باقٍ مهما فنيَ الصوت تحفظه الريح وتنقله
صورة بارعة لها دلالتها بتوظيف تلميحي للتضمين الكلي بعدم فناء الصوت فإنه سيصل باحتواء الريح له
وبأنساق ترابطية متينة لها شعوريتها يتكرر التوجه
// والحلمُ ينثرُ في الوجودِ أريجه
حتى ولو أفضى الطريقُ إلى السُّدى //
إشارة لمثير خارجي فالشاعر لاشعورياً يسقط صورته ضمن المعنى ليتحول الحلم تعبيري
مقارباً للحالة الشعورية لتكثيف الصورة عن الحلم
الذي سيهيمن ضوعه حتى ولولم يتحقق
هنا إنطلاقة  من يقين الحلم فليس بالضرورة تحقيقه
ولكن السعي إليه هو الأمل برغم الدروب المغلقة فهنا تصويت خفي للحلم الآفل قيد تحقيق
فالناص يعطي أطوار الحزن لكنه يلمح للأمل للاشتياق_ للحنين
// في عتمةِ الأحزانِ تلمعُ نجمةٌ
من نورها شعرُ الحنينِ توقَّدا //
فالرمز دوماً لدى الشاعر نجده يتعالق كلياً مع كل مفصل شعري
النجمة // الأحزان// كيف تتلاقي؟؟
هي علاقة تفلسفها دلالة الناص دون الافصاح المباشر
بتصوير بجسارة مجازية هي التي تحدد البرزخ الفاصل للفكرة الكلية
عبر التصور والرمز والإستعارة والمفاهيم اللغوية في تخلقات الصورة
// و الآهُ... عطرُ قصيدةٍ في نزفها
عبقٌ ومن دمعاتِها فرَّ الندى//
بإيقاع حديث يحطم الشكل المعتاد للقصيدة المموسقة وكان البحر (( الكامل ))
يخدمها بتشعبات متوزعة ضمن الفكرة
لم تؤثر على البنية العامة فهي بهيئية عمودية ووحدة متكاملة
لاانفراط فيها ينبثق الإيقاع والفكرة متواكباً بحومة الحزن أو فقد الهوى ويتلوها الأمل
// تلك المواجعُ أمنياتٌ لم تمت
حين الأسى فوق الضلوعِ تمدَّدا //
فمن شدة الوجع يصبح الألم متموضعاً
كالأمنية يجثم لأنه الإكتواء الكلي ولكنه لسع محبب
و((فوق)) ظرفية مكانية منصوبة بالفتحة وهي مضاف أعطت البعد المؤلم للوجع وتثبيته
ونرى
// فتناثرتْ قطراتُها رقراقةً
لتعيدَ ألوانَ الزهورِ إلى المدى //
إشاراتية للحياة وإعادة قيومها
تناثرت/ إنتشرت
قطرات / نقاط سائلة /
وكأن السطور كلها معبدة
بمفردات الخيبة والأمل
// والمنحةُ الخضراءُ كانت محنةً
والغيثُ قد كان الغمامَ الأسودا //
هنا تعبيرية إعلانية لإظهار
التناقضية
بين المحنة والمنحة فالأولى علاوة أو هبة
أما المحنة فهي ربما بلية أوما نقع فيه من الشدّة
هذه التعاكسية أعطت جمالية الصورة
وحين أيضاً يصبح الغيث سحاب قاتم هذا التضاد بين الغيث وسواده يدل على إنطفاء دبيب تلافيف الأمل
من ثم ينتقل إلى إنبجاس هواجس بأدرية شروق
فالناص لم يفقد توازنه النفسي
// واليسرُ من أنيابِ عسرٍ أشرقتْ
أنواره وعلى الظلامِ تمرَّدا //
ومعانيه الظاهرة بتوكيد الحزن العام بالنص مع الأمل المستفحل أيضاً 
اباح معنى القصيدة وأبواب تأويلها
لم يعتمد الشاعر حب الظهور بزركشته للصور بحجم ماكانت غايته ايصال الفكرة
في تركيب سيميائي مألوف فهو يتحدث بإشارات عدة
بتوظيف من المنتج النصي
// أيقظْ سناكَ فكلُّ غيمٍ راحلٌ
والفجرُ يبزغُ حاملاً معه غدا//
نجده كمعنى ظاهري لديه ذاك الحنين لكن إحتمالات التأويل واردة كلياً بقدر ما
المفردة واضحة ولأسلوبية التعبيرية محالة لدلالة ربما ليست كما تبدو سياقياً هناك كيفية توصيفية لها احتمالاتها القصوى
// والليلُ يمضي حين تسطعُ لهفةٌ
في قلبِ مشتاقٍ إلى الحبِّ اهتدى //
وبمألوفية شكلية ناهيك عن استعمال مفردة الليل والصباح بالنص وذلك لتأكيد اللعبة الشعرية لدى الناص بتعدد التوظيف ليعطي قرارات عدة للمعنى
// فإذا الصباحُ أطلَّ من تنهيدةٍ
ورمى المخاوفَ والهمومَ وغرَّدا//
يستيقظ الشعر مع إنبلاج الصباح هنا تداعيات عدة يتنفس من خلالها مايحبه وهو (الشعر) لكي يتفنن بأحواله
// واستيقظتْ أشعارُهُ وكأنها
خرجتْ إلى الأنوارِ من كهفِ الرَّدى//
فأسلوبيته تترجم ذاته كمرآة بأدق التفاصيل الهيمانة
كمجهر يفك أسرار الروح مهما إشتد الحصار النفسي
وماهيته الفكرية
// ضوءَ يخبو في فؤادٍ عاشقٍ
مهما استبدَّ به الظلامُ وعربدا //
يعتمد البنى التعبيرية الحكيمة في غالبية حراك النص
// فاهجرْ أنينَكَ والتفتْ نحو المنى
ولئنْ ضللتَ فعدْ إليكَ مجدَّدا//
من الخصوصية ينتقل للأمروية ((اهجر/انظر/ارفع/و)
ليفتح من خلالها سياقات عامة بالحكمة موجهة للآخر
بمقاربات فعل الأمر بأسلوب واضح صريح ظاهري
// وانظرْ إلى الآفاقِ نظرةَ باشقٍ
عشقَ السَّنا... ومع السماءِ توحَّدا//
محض تضمين العطف شرط لتعزيز الغاية وهي المعنى العام (الأمل) المقابلة لل (الحزن)
// وارفعْ طموحك فوق سقفِ أناكَ وانزل...
من ظلالِ غرورها كي تصعدا//
حضورية الإشارة في اعتماده العبرة والنصح لها قوة حضورها في السياق النفسي يكتنفها صور تتكرر بالمعنى وتختلف كسياق بنيوي
// لا عطرَ يسمو دون سجدةِ خافقٍ
حين استفاقَ الوجدُ فيه تنهَّدا//
فلا النافية للجنس وسّعت معنى الصورة
واعتمد الشاعر الصور بتأويلية قديرة لدلالة الفكر الحر المسترسل على تغييرية إيجابية
بتحوير إلى توجه للفكر الجمعي من خلال الأمروية التي تعطي فعل خلاصي للفكرة كما لاحظنا بأكثر من موضع بالنص
((فاهجر أنينك والتفت نحو المنى
ولئن ضللت فعد إليك مجددا))
كان النص عبارة عن تثوير حسي كفعل مقدس يغرف من رؤيا الدين في صلابة العبرة المكثفة بالعبارات
ربما نستطع القول انه النص المانع للنص
وذلك من خلال الفكرة الأولى للنص قبل اعتماد الحكمة
فالناص رغب قولاً غير ما أراده أي لم يفصح عنه من أجل غاية ما بطريقة ظاهراتية
إنما أعطى البعد الدلالي للفكرة كمضمن حسي ذاتي له معاناته
أوصد معناه الخارجي بتركيبة سيميائية لايفكها إلا عارف بمألوفية النص العمودي الحداثي
فالتضمير السياقي أعطى جمالية كلية بإشاراتية معززة بحججها ودلالاتها ضمن القصيدة
فالوجع أو الحزن ربما كان وجع أشار إليه الشاعر من خلال شعوره الانوي
وليس وجع ذاتوي عاشق
هو عشق آخر
فالوجع عام في زمن الردة وزمن الشتات
وماهية النص كانت مرآة عكسها الشاعر بمقاربات بدلالات سياقية
وأسلوب متوجه ظاهري باستهلالية حصيفة
// للريح ذاكرة اذا احترق المدى
ولئن تلاشى الصوت فالسر صدى//
الخاتمة :
النص إعتمد على الجملة الخبرية بداية
من ثم إنتقل للجملة الإنشائية بأفعال الأمر
ليحصد المنتج النصي والفكرة المراد بها بعد ذاك الحجم من المعاناة
فمعناه الظاهر أباح معنى القصيدة وأبواب تأويلها
هو النص التناصي لأكثر حالات النزوح اللا اختيارية للروح الشاردة المتجلية
حالة لها ترجمات الحواس وفلسفة الظاهراتيائية
كرمزية لفينومينولوجيا حاكها الشاعر بالانزياحية مجازاً وترميزاً
ومجاورات أخرى بين حزن وأمل وتطلع
وبأسلوبيته المتنوعة الإحساس
والأثر الأوذيسي المتحدث عن ذاته من واقعيته
والمواجع الملمة بشاعرية الآفاق اللامحدودة الخيال
انبلاجه بنص رفض الصمت المطلق
هو ذات انبلاج الفجر الذي أخضع الليل الأظلم لقوانين الضوء الأخير من الخلاص الإنساني
كأحد مفردات الأدب الإنساني المليء بالطاقة والمفارقات
جاء النص عمودياً مما أدى إلى فهم مرسلاته ودلالاته
وهذا لايسقطه إطلاقاً لأن الناص لم يكن نمطي بأسلوبيته
والتي نعتادها غالباً بالنصوص العمودية
إنما بتصاعد شعوري بالصور المزدحمة وصبغة المجاز العالي أبعدته عن الإنغلاق كوسيلة نفسية مخاطبة بحراكية اشاراتية عملت توازن بين الفكرة والتأويل العالي
وخاصة بعد تنقله إلى الأمروية لينهج تعبيرية حكيمة
ناهيك عن حراكه المنتفض على استاتيكية الصورة النمطية المعتلة الواقع ليحاكي خلاله نص الشعر ويحاكيه هو بممكناته المتاحة بما يحيطه
وما في القصيدة من توترات صورية وتوازيات إيقاعية ومطابقات
وتعينات نافدة للمعنى تعكسها ضمائر التلفظ والوصف
نص عميق متموسق على البحر الكامل
له تردداته وتنفساته الذاتية القهرية ملازمة للعبرة أبدع الناص صوغها بحرفية عالية

مودتي

مرشدة جاويش

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم