PNGHunt-com-2

الصفر المثلث وتربع الدائرة : قراءة الناقد عازي أحمدابوطبيخ الموسوي لنص الشاعرة سحر عماري

ألصفر المثلث
وتربيع الدائرة
نص الشاعرة سحر عماري  Sahar Amari  -مغتربة سورية..
…………………………………….
يُعرِّفُ تشارلز سيميك قصيدة النثر على النّحو التّالي: "قصيدة النّثر هي نتاج توتّرين متناقضين: النّثر والشّعر. ولهذا لا يمكنها أن تلتزم بشكل ثابت،ولكنّها تفعل ذلك بالحضور المؤثر".
وبناء على هذا التعريف نقول بأن قصيدة النثر خُلّقت على مبدأ التناقضات ولقاء المستحيلات،وإن محاولة إيجاد قواعد لها هو من قبيل التقنين الذي ثارت هي عليه سابقا أصلاً!!.
والتجديد المستمر بها  في ديمومة تطورية وتنويعية متواصلة،والحديث الآن أكثر عن النص الشعري حتى دون الحاجة الى إلحاق كلمة قصيدة به..
في هذا الإطار يتنزل نص سحر عماري الذي يصح عليه قول تشارلز سيميك عن النص النثري" هذا هو المثال الوحيد لدينا على تربيع الدّائرة"وهو تعريف مرتبط بالتعريف الذي استهللنا به ،وتربيع الدائرة مسألة مستحيلة خارج هكذا نصوص شعرية يسعى أصحابها إلى الخروج عن كل مألوف عبر ضخ دماء متجددة في كتاباتهم تعتمد على القطع مع الأساليب والاستخدامات اللغوية المستهلكة أو المشاعة.
ولكن الواقع إنّ الذي لفت نظرنا قبل كل شيء هو أهمية الموضوعة وقوة الإطروحة،وقد لا أكون متراصفاً تماماً مع بعض الاستخدامات التعبيرية عن هذا الموضوع بصفتها الشعرية ،ولكنها حشوات تستعير الكثير من إسلوب الخاطرة..وتلك مسألة لاتنتقص من إبداع النص شيئاً،ولكننا نقولها لغرض التشخيص.
ولقد شخص قبلنا الرائد حسين مردان هذا الحضور الشعري في السرد بقوله( أنا لا استطيع أن اقول بأنني قد خلقت هذا النوع من النثر الفني.. ولكنني أستطيع أن أقول انني أول من بدأ يُحمّل هذا النوع من النثر الصور الشعرية)1.
وهذا ما ستعود إليه شاعرتنا عماري بعد تأسيسها لمشروعها الرؤيوي في المدخل الذي يسترعي الإنتباه..
  النص
……..…….
صفر مثلث:
..............
صفرُنا العربيُّ
المثلث الأضلاع
حاد الزوايا !!.. 
يخترقُ كل الأبعاد
شمالاً..وشرقاً
جنوباً..وغرباً

صفر ثلاثي البعاد
كم  جهدت  ، لترجمة معناه !!،
وبكل اللغات ...
الظاهرة .. والخفية
المضمرة .. !!
القريبة..والبعيدة

ضربت ،
أخماساً في أسداس
ووصلت لنتائج مبهرة 
في مضامينها ..!
سيصلكم معناها ،
بالإيحاء .

فصول الحكاية ..
وانا في قطار الأيام ،
منطلقة .. !
ذات ميقات ..
سمعت نعتاً ..!
خاطب به شخص
من يشاطره المقعد
في احدى محطات القطار
ملامحه ، تشي ، بأنه إبنه ..!
موبّخاً إياه بالقول :
انت لاشيء ...!
انت صفر .. في أقصى اليسار !!..

وبسرعة ،
تخطت  الصوت والضوء،
تذكرت 
العلامة الحمراء .. على صفحة البراءة
من مراحل طفولتي الشقية . 

صفر مثلث ..
وكأن .. صفر واحد .. لايكفي ..!!!!
ليفعل فعله ،
في عقل غض ...!!!
بالكاد ، يكتشف ،
الأسرار من حوله ..!!
صفر
ترك أثر عميقًا جدًا
في ذاكرتي الدراسية
وحتى اللحظة

ليت معلمتي
كتبت عبارة لاتجرح ...!!!

كما فعلت إحداهن
ذات عقاب

رنين إنذارها
مازال صداه ..!
يعبر في خاطري
كلما لاحت ذكراه
كم كنت أحبها ..!
انها ، اول تعلق لي ،
بغير أمي .،!
كلماتها .. حافزٌ ..
لكل طالب نجاح
( بإمكانك  ، أن  تكوني الأفضل ،
بين زملائك  .. انتظر منك صغيرتي ،
في القادم .. الجيد والممتاز  . )

ومازال  ..
إعصار الأصفار 
يغزو عقلي .. بوابل  ،
من علامات ( !؟ )

أ  صحيح ،
انه ، لاقيمة للصفر  ، ؟!
مهما كان موقعه ..
يسار معتدل  .. !!
أم يمين متطرف  !!  
ووجدتُ ، بعد انقضاء ،

ان صفرنا العربي
المثلث الأضلاع
حاد الزوايا  ،
مخترقٌ كل الأبعاد
شمالا  ..  وشرقا
جنوبا ... وغربا

بانحدار رهيب ... !!!

صفر فعّال جدا ...!!!
اثاره تجلّت ..  ،
على امتداد الأصقاع

و نما .. للصفر جناحان .. وطار
من كهف القهر .. أطلَّ ،
اسود الناب .. لمّاعاً
راعد الصوت
يجوب الدروب .. ويرهب القفار
نافثاً .. سمّه القاتل
في القمم .. والوهاد
موقدا ً زيته الحارق ..
في اعماق البحار
ناشراً .. زعاف حقده
هلعاً .. في قلوب الانام

قالها الحكيم
" كنجمة شاهدة "

الصفر ..  خلية خبيثة نائمة ..
فاحذروا  ، اعصارها ،
لو  هبَّ .... !!!
قولوا :
على الدنيا السلام  .

ومازالت فوق جباه الأمم
أصفار .. لا تعدُّ
ولا تحصى
تدق الأبواب،
والفاتحون لها
فاق عديدهم ،
الإحصاء

ترى .. هل نبرأ  ،
من أتون الاصفار  ..؟! )

يبدأ هذا النص بعنوان متمرد أصلاً"تثليث الصفر"  وهو شبيه بفكرة  تثليث الدائرة أي الصفر الذي نعرف كلنا أنه يُرسم بخطوط منحنية،لكن الشاعرة تسعى إلى رسم مخالف للقوانين وتحاول بطرقها الخاصة(التصريح ،التلميح ،الايحاء ،تنوع استخدامات اللفظ ...)  ترجمة المعاني وايصالها للمتلقي بقصد خلق قناة اتصال فكري بينهما قوامه الشعر السردي،او السرد الشعري، كطريقة في التفكير ،وإن خرجت طريقتها في التعبير عن السياقات الشعرية المعتادة.
إنّ أول تقنية استعارتها الشاعرة كانت من الرواية والقص وهي الميتاسرد اذ تخبر القارئ كيف تجهزت لعرض الفكرة والميتاسرد جوهره إظهار الأنا الساردة وقدرتها التخيلية في وعي الكاتبة،والتي تنتقل الى لا وعي القارئ ليشاركها عملية خلق النص،خاصة وإن مضامين النص كلها موجهة إليه عبر الشخصيات التي اختارتها الشاعرة لتقمص فكرتها ،أب يجلس في قطار سائر مع ابنه الطفل ،الاب يطلق حكما قاسياً على مواهب الابن و قدراته ويمنحها علامة الصفر على اليسار، أي انعدام تام للمعطى. حكم هدام يتكرر كثيراً بل وصار سلاحاً فتاكاً بعد ان أصبح سلوكاً عاماً وفكرة معتنقة.
(ونما .. للصفر جناحان .. وطار
من كهف القهر .. أطلَّ ،
اسود الناب .. لمّاعاً
راعد الصوت
يجوب الدروب .. ويرهب القفار
نافثاً .. سمّه القاتل)،
والشاعرة  نفسها كانت  كغيرها ضحية له في الصغر .
صفر ..ترك اثراً عميقاً جداً
في ذاكرتها الدراسية
وحتى اللحظة،
لذلك كان استخدامها للزمن غير الكرونولوجي و اللانمطي في إشارة لتكرر الحادثة أو الفكرة عبر الأجيال .وهنا كان جوهر فكرة الشاعرة وثيمة النص من حيث المضمون ،وهو أننا كمجتمع عربي لم نتعلم على أياد تبني العقول وتنمي المواهب وتعتني بالقدرات بل منذ الطفولة كان الصفر يطاردنا كتهمة وكجزاء ثم كواقع لا يقبل بمحاولات التغيير .لذلك تنتهي الشاعرة إلى إطلاق حكمها بأننا أمة الصفر الذي تحكم علينا زواياه بما لا يترك لنا معها منفذاً لنعيد بناء ما تهدم أو نرمم التصدعات،وتلك وجهة نظرها الخاصة بالتأكيد،غايتنا الكشف عنها ليس إلّا.
من هذه المنطلقات نعتقد أن نص شاعرتنا يمثل ثورة إسلوبية فردية على المألوف. فهي التي جعلت من الصفر قضيتها التربوية ثم الفكرية،ولم تبال بما يمكن أن يوجهه لها النقد الجاف  من توجيه ،وآمنت أن القطع مع الأساليب القديمة هو وسيلتها إلى العبور وما لا يعترف به اليوم أو لا يجنس بجنس محدد توّاً،فسيكون لاحقا هوية وبصمة أدبية لصاحبتها.
ولكننا نستطيع القول إنّ هذا النص ثلاثي الابعاد على مستوى التجنيس الإبداعي فهو يتحرك بين القص والخاطر والروح الشعري الدافق..والذي أظنه أن هذه الاسلوبية المبتكرة ذات اثر كبير على مستوى التواصل مع المتلقي، لسلاستها وضرورة موضوعها.
إنّ هكذا نصوص تدخل في إطار الادب الملتزم طبعا،كونها تلتزم قضية الانسان بمعناه التربوي والحضاري العام انطلاقا من البعد المحلي الوطني والقومي كجغرافية تحليلية شاهدة..ولا ادري هل كانت تقصد ( البعاد.. النوى) ام تقصد (الأبعاد ..الجهات)،
فكلاهما يشتغل فكرياً ولا إشكال..
وربما ستجد نفسها ذات يوم مطالبة بالتخصص من قبل بعض النقاد أو المتلقين،ومع أننا ننحاز إلى فتح الباب للتجاور الإسلوبي ،ولكنها تبقى مهمة الشاعرة الساردة دفاعاً عن نهجها او إسلوبها في حينه ،الامر الذي يحتاج الى قدرات تنظيرية في المنافحة أو المناقشة ،وهي تملك بحكم وعيها الظاهر مثل هذه القدرات التي تحتاج دائماً إلى تطوير وتوسيع وتعميق،خاصة لمن يتصدى إلى هكذا متبنيات إسلوبية ذات خصوصية خاصة،سيّما والنص يتنزل في أكثر من موضع إلى مستوى التقرير والسرد التفسيري قصداً،ولولا قوة الإحساس لخرجت كثير من الاسطر عن روح الشعرية المتوثبة.

ملاحظة:
………….
يمثل النص -موضوع الدراسة-وجه المرآة الاول لاديبتنا عماري الفاضلة،بينما يمثل النص المنشور تحت المقال وجه المرآة الثاني ،بقصد إعطاء فكرة إجمالية عن تنويعات منجز هذه الشاعرة ،مع التقدير..
………………………

1-الحبكة المنغمة،عبدالجبار عباس،ص129،دار الشؤون الثقافية العامة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم