قراءة تحليلية بقلم الأديبة نسرين المدهون في الدور الأدبي للناقد مهدي الشعراني
رحيبُ الدوح عهده، بليغُ الطرف حرفه، سليلُ فكرٍ ثاقبٍ أدبه، ناقدٌ متفردٌ، ذو رؤيةٍ تنبؤيةٍ ثاقبةٍ، على صعيد الأدب أديبٌ ناقدٌ، وفي دوح الشعر شاعرٌ متفوهٌ، وإذا ما اعتلى المنبرَ أتاه المنبرُ طوعاً، وإذا خاض غمار الثقافة فإذا به يمتلك من الفطنة أعمدة بنيان راسخ شامخ شموخ نسر جبلي، يرسم خارطة طريق لكل كاتب وشاعر، قائدٌ بلا قيادة، يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه كأديب وشاعر وناقد فلسفي، حدقٌ فطنٌ، فسبحان من بنى له عماداً من الفكر عصياً على الألباب، إنه الأديب الشاعر الناقد الفلسفي الأستاذ ( مهدي الشعراني)
وفي دراستي هذه سأسلط الضوء على منهج الأديب الناقد في طرحه للأفكار، وسبك رؤاه، وتغليف تنبؤه بغلاف البلاغة والنظم، الأمر الذي من شأنه سلب لب المتلقي، كيف لا وهو الذي طوع اللغة وبيانها لأفكاره النقدية، ورؤاه الفلسفية المتمايزة.
ثانيا _ تفرد الأديب مهدي الشعراني في منهجه النقدي، فاتخذ لنفسه طريقاً ممايزاً عن أقرانه النقاد، فكان سبيله النقد الأدبي الفلسفي الذي يعتمد على طرح الفكرة من خلال سبك لغوي ونظم بلاغي فريد، فنجده يطرح فكرته ممزوجة برؤى تنبؤية فريدة تنم عن بعد فكره الثاقب، وغوصه بمهارة في غمار بحر الأحداث ومجريات الظواهر الأدبية والثقافية والاجتماعية ببراعة غواص حدق متمرن ذو فطنة ودراية فذة.
وأذكر هنا علي سبيل المثال لا الحصر ملخص رؤيته النقدية للشعر والأدب المتداول تحت عنوان أيها الأديب أيها الشاعر: حيث يؤكد على ضرورة اطلاق العنان لفكر المتلقي ليفكر فيما يقرأه من نصوص شعرية، فتضمن نقده اكثار بعض الشعراء لأدوات التشبيه وخلو نصوصهم من الإبداع والابتكار في الصورة الشعرية، إضافة إلى ضعف اللغة والتراكيب والموسيقى خاصة في الشعر العمودي، مؤكدا على ضرورة التنويع في الموضوعات وعدم الاكتفاء بنوع واحد ألا وهو الغزل، كما أكد على ضرورة ترسيخ هوية الأدب الجوهرية والتي بدورها تعد مرآة المجتمع، مبيناً دور الكلمة في بناء المجتمع خاصة في وقت الأزمات حيث يتضاعف دور الأديب الذي يجب أن يتسلح بسلاح العقل الواعي المؤمن بالهدف، كما دعا إلى التمسك بطريق العرب الأقحاح على اعتبار أن الأدب والشعر ديوان العرب.
لقد قدم الأديب مهدي الشعراني رؤيته النقدية لما يُطرح ويُقدم على مسرح الأدب والشعر بطريقة فلسفية، إذ عمد إلى تقديم رؤيته المعارضة لظاهرة ألقت بظلالها على الشعر والأدب ولكن بطريقة النصح والإرشاد ممهداً الطريق للمبتدئين من الشعراء والأدباء من خلال ما عرضه من توجيهات أدبية تربوية بناءة فكان الناقد الموجه والشاعر الحادق لا الناقد القادح.
ثالثاً_ القصة القصيرة: هذا النوع من الأدب الذي يعتمد التكثيف المتقن دون إخلال بالمعنى محافظاً على عناصر القصة، مقدماً الفكرة بسبك لغوي مترابط، لقد برع الأديب والقاص مهدي الشعراني في فن القصة القصيرة التي كانت بمثابة دروساً أدبيةً ومعالجةً لقيم اجتماعية ووطنية، لقد جسد الأديب وجهته فجاءت جلية واضحة، وهي سورية فوظف القصة تارةً، والشعر تارةً أخرى، وفي قصة ( حكاية مارد) كانت وجهته الأولى سورية الأم وفي هذا المقام أذكر قصة بعنوان ( حكاية مارد) والتي من خلالها سلط الضوء على سورية الأم والفخر والحضارة والتاريخ، ربة الجمال والبهاء، من خلال حوار يدور بين سورية التي جسدها في شخصية امرأة عجوز بدت عليها تعاريج الزمن، وأصابها الوهن والعجز والألم بفعل الحرب والإرهاب، وتكالب الأمم عليها، وما أصاب أبناؤها من تمزق وفقد وموت بفعل النزوح والهجرة القسرية نتيجة الدمار والفقر، إلا أنها ما زالت بأوجها مصباح نور، مشرقةً تسطر أبهى الانتصارات، وتبني أعظم الحضارات، متجذرة ، فهي أم الأصايل والأسود، هي سورية ربة الجمال، فلا حياة إلا بها ومعها.
رابعاً_ الشعر: لم يغفل أديبنا الشعر، فكانت وجهته الأولى سورية، فكتب نصه تحت عنوان ( خذوا مني كل شيء) فقال
خذوا منّي كلَّ شيء
خذوا ذاكرتي وفكري وعنواني
خذوا حقيبةَ مدرستي، وأقلامي وألواني
خذوا ياسميني
خذوا التينَ والزيتونَ وصبّاري ورمّاني
خذوا مِعوَلي ومِنجَلي، ونايي وقيثارتي وأنغامي وكلَّ ألحاني
خذوا ثلجي، خذوا مطري
خذوا صيفي، شتائي، ربيعَ نيسانِ
خذوا صوتي، خذوا نَظَري
وسَمْعي ومِطرقتي وسنْداني
خذوا أمسي، خذوا حاضري
فأنا ما عدت أتوق للماضي ومركبتي التي تاهت
بحكايا بطولاتٍ مُصَنَّعةٍ
واتركوا لي وطني
فالشاعر هنا يعبر عما أصاب وطنه بفعل الإرهاب والحرب، يتنازل في سبيلها عن كل شيء لكن لا ولن يتنازل عن سورية الحضارة والتاريخ، سورية الفخار وقوس النصر، هكذا هو أديبنا سوري القلب والكلم.
خامساً_ وجهات للنظر: تفرد الأديب مهدي الشعراني في تناوله للموضوعات فكان له وجهات نظر في العديد من الموضوعات والرؤى ، فكان له وجهة نظر في الكتابة، فأكد تحت عنوان ( وجهة نظر بالكتابة ) بأن الكتابة تنبع من خزان القراءة أولاً، ثم الممارسة ثانياً، وبالتالي تتبلور بمستجداتها، إذ إنها ليست صناعة تتم في أي زمان ومكان، بل تستند لمقومات ودونها تفتقد لروح الهدف، مؤكداً على ضرورة تحلي النص بالروح والإحساس اللذين يضيفان المتعة، فتتشكل الصورة من خلال التراكيب والجمل والصور المبنية على مخزون لغوي متفجر يلقي بظلاله على المتلقي فيأسره ويأخذه للتأمل فيما وراء ميتافيزيقيا الكلم.
سادساً_ القراءة النقدية: برع أديبنا في توظيف قداراته وأدواته الأديبة اللغوية الفريدة في قرأته النقدية لأدباء أجلاء، فكان له العديد من القراءات التي أضافت الحس النقدي الفريد على الروايات والنصوص الشعرية، وأذكر هنا قراءته لرواية بعنوان ( جنتي بكيتك قبل الرحيل) للكاتب سليمان الشيخ ياسين، والذي وظف فيها كل طاقاتها اللغوية وأدواته البلاغية، فأحسن الاستهلال وحسن التخلص إضافة إلى إتقان السبك اللغوي، وأذكر هنا مقتطفات من القراءة شاهداً على براعة أديبنا في توظيف فنون البلاغة بما يناسب المقال، فيقول مستهلاً [ بدايةً يا أحبائي لدي عدة لاءات وهي: لا أدري من أين أبدأ، ولا أدري كيف أقيم هكذا شخص، ولا أريد أن أضع نفسي بهذا الموقف لولا طلبه شخصياً بأن أكتب عن الرواية بصراحة وموضوعية، وبلا مجاملة حيث بلغتُ سعادةً كبرى على هذه الثقة من أستاذ كبير رضعتُ بعضاً من حليب على يديه والتي أعتبرها شهادة بحد ذاتها، علماً أني لم أكتب عن الرواية بكل خربشاتي المتواضعة سابقاً على الرغم أن النقد يتجلى بوضوح في حقل الدراسات التي عالجت الأعمال الروائية، إضافة لشعوري بأنني ربما سنقف دقيقة صمت على روح بعض الأنواع الأدبية كالرواية والمسرحية الهامتين جداً...]
بهذه البداية استطاع الأديب أن يثير ذائقتنا للغوص في بحر الرواية ومضمونها والفكرة التي تدور حولها أحداث ومجريات الرواية، كما أجاد الأديب في توظيف فن حسن التخلص فنقلنا من موضوع لآخر دون أن نشعر بانقطاع الفكرة، فيقول: [يا سادتي كما تعلمون ، الرواية هي سلسلة من الأحداث بسردٍ نثري طويل وشخصيات لتغذية الأحداث، ولها أشكال وأنواع، وروايتنا هذه من نوع الواقعية الجديدة التحليلية وأبطالها حقيقيون وكاتبها منهم، بعيدة عن الرمزية والفانتازيا، ومن عنوانها نرى دلالية خاصة فيها تاريخ لمنطقة سلمية وما حولها لحقبةٍ معينة بعاداتها وتقاليدها وعلاقاتها ومعاناتها آنذاك].
سابعاً_ تأملات: كثيرة هي المواقف التي تحتاج منا الوقوف على أعتابها نتأمل مجرياتها وخط سيرها، نبحر في عباب أمواجها عسانا نصل إلى الحقيقة أو جزءاً من الحقيقة، والحقيقة أن أديبنا المائز برع أيما براعة في توظيف تأملاته لخدمة سوريته التي حظيت بأن تكون أميرة قلبه ، فلم يترك سبيلاً إلا وخاض غماره ليرتقي بأم الحضارات سورية الانتصارات، وأذكر هنا
(هكذا رأيت) أنّ المفكّر يظهر للبعض بأنه انعزالي أو كئيب أو حتى مريض، علماً أنه كجهاز التنفس يمدّك بالحياة دون أن تراه أو تشعر بأهميته !!.
ثامناً_ : الحس الفني الذي ظهر جلياً وواضحاً من خلال دعمه لفلذة كبده الفنان الواعد ( كرم مهدي الشعراني) الذي استطاع أن يخطو خطوات ثابتة واثقة في مجال التمثيل والفن المسرحي والدراما السورية والذي كانت وجهته لا تختلف عن وجهة والده المعلم والمرشد والداعم له ( سورية) الأم، فغرس فيه حب الوطن كما قدوم له توجيهات قيمة في مجال اللغة والأداء والثقافة، الأمر الذي بنى في الفنان كرم الحس الفني المبني على أعمدة العلم المقرون بالموهبة مما جعله يلتحق بالمعهد العالي للفنون والمسرح فكان يمثل قولنا: ( هذا الشبل من ذاك الأسد )
كانت هذه الدراسة غيضاً من فيضٍ وجزءاً يسيراً في حق أديب حدق، وناقدٍ فلسفي فذٍ، اسمه مهدي الشعراني ( أبو كرم )
وإني لأرجو أن أكون قد وفقت فيما خطه قلمي الصغير في حق عملاق من عمالقة الأدب والنقد الأدبي المعاصر، والله ولي التوفيق.
رسالة الشكر والرد للناقد مهدي الشعراني :
على غير موعدٍ !!!!!
وبهيئة نجمٍ يتدلّى..طوق لؤلؤٍ يتمطّى أمامي ليخطف بصري دون اسئذان فتنبجس منه حروف اخترقت كل الحواجز بين فلسطين الحبيبة وسوريا التاريخ وبلا جواز سفر ،فأدركت أن مصدرها هي المبدعة المتمردة الأديبة نسرين المدهون والتي استحضرت بأسلوبها الجاحظي كل البيان والتبيين والربط المبهر..انحني احتراما وإكبارا لسُحُبِها التي غطّت سمائي وصنعت برسمها الدافنشي بكلماتٍ ليست ككل الكلمات ميلاداً جديداً لي،وجلستُ باحثاً عن تعابيرٍ ترتقي لهذه الأيقونة الأدبية الكبيرة نسرين المدهون فلم أجد إلا الصمت..فأتمنى قبول دهشتي وصمتي.
تعليقات
إرسال تعليق