PNGHunt-com-2

القراءة جزء 5 :بقلم الناقد كريم قاسم

(( أخي القاريء الكريم : لستَ مُجبَراً على التعليق . إقرأ فقط .. الغاية هي تعميم الفائدة .. إحترامي وتقديري))
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( الـقـراءة )
ــ الجـزء الـخـامـس ــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الكاتب الكبير نجيب محفوظ (رحمه الله) :

(ان أكبر هزيمة في حياتي هي حرماني من متعة القراءة بعد ضعف نظري)

• كان البعض من اساتذتنا ـ رحمهم الله ـ لديهم طقوسهم الخاصة في القراءة ، من حيث كيفية فتح الكتاب ، وكيفية تقليب الصفحات ، وكيفية التأمل قبل القراءة ، وبعدها التركيز على السطور وفي الكلمات للنفوذ الى معانيها ومعرفة دلالاتها ، وكأنه يدخل في عالم آخر ، حتى تشعر بهيبة الشخص ومهابة الفعل والمكان . ولا تكاد تنطق بشيء إحتراماً وإجلالا . ثم تجد الطقس يتجدد في كيفية إغلاق الكتاب وكيفية وضع علامة على الصفحة أو السطر عند الانتهاء من القراءة .

ـ هذه التهيئة ليست عادة سطحية لاتعني شيئا أو إنها فعل عشوائي ، وإنما هي تهيئة ذهنية وإدراكية عظيمة قد رَوَّضَ الاستاذ ذاته عليها ، كي تبدأ بعدها لحظة الانطلاق بفعل القراءة .

ـ في يومها سألتُه :

ــ  إني أجد عندك غير الذي عندنا في طبعك عند القراءة ، وماتقوم به من اسلوب فتح الكتاب بهدوء ، وكيفية البحث عن الصفحة المطلوبة ، وغيرها من الجزئيات ؟

فقال :

ـ (كُن من كتابك كعاشقٍ من محبوبته ، لايفتح قلبها إلا بهبَّاتِ نسيم ، ولايجالسها إلا بجميل إقبال وأدب إسترسال ، وأن لايقبل عليها وهو جَلِف الطبع خشن القول ، وأن لايقفل عنها إلا بإشارةٍ نبيهةٍ ، أوموضعِ حديثٍ يعرفُ متى سيعود اليه ، وإلا سيكون الفقد والنفور هو آخر المآل ، وهكذا سينفر الكتاب منك دون أن تدري شئتَ أم أبيت)

ــ نظراً لتطور المجالات المعرفية في حياتنا اليومية ، وخاصة في السنين الاخيرة ، والتي قَفزَتْ فيها المعرفة قفزات سريعة لم تكن بالحسبان ، بل ولم نكن نصدقها حتى في الخيال .

ـ من هنا سيتجسد بين ايدينا سؤال :

• هل سيتطور فن القراءة تبعاً لهذا التطور المعرفي ؟

ــ بالتأكيد سيكون الجواب (نعم).  

• لو تصفحنا بنظرة خاطفة بعض الدراسات حول إختلاف مستويات القراءة قديما وحديثاً ، لوجدنا تغيراً كبير في الخط البياني الراصد لهذه الحالة .

ـ إطلعتُ يوماً ما على دراسة أكاديمية تعتمد إحصاءً امريكياً تم انجازه عام 2018 بأن 60% من الطلاب الذين تبلغ اعمارهم 18 سنة كانوا يقرأون كتاباَ او صحيفةً او مجلة في كل يوم عطلة في عام 1980 .

لكن الخط البياني بدأ بالهبوط في عام 2016 حيث انخفضت النسبة ـ بنفس العينات والمحددات التي خضعت للدراسة ـ الى 16% . 

• هنالك دراسات عالمية رصينة ترى إن القراءة من خلال الشاشات قد أضرّتْ بقدرات القراءة ، كونها تُعطّل وتضر بالفعاليات الادراكية والتفكير والتأمل ، مع الإضرار بـ (التفكير النقدي) والتخيل وقدح العاطفة واستقلالية التفكير .
وهذه العناصر هي بؤر اساسية في عملية القراءة العميقة . فالقراءة أن لم تكن عميقة غائصة تكشف وتحلل وتبحث ، ستكون فعالية باردة غير نشطة ، لاتطور النشاط الذهني .

ــ عالمة الأعصاب (ماريان وولف)  والتي تقلدتْ منصب خبيرة محو الأمية الأميركية ترى أن الشاشات للاجهزة الحديثة تعتبر تهديداً لمهارة القراءة وخاصة للاطفال في سن تعلم القراءة ، حيث انها تضر بالعمليات الادراكية من (تفكير ، وتحليل ، وعاطفة ، وخيال ، وتفكير مستقل ... وغيرها ) وهذه العناصر الادراكية تعتبر جزء من عملية القراءة (العميقة) التي تُشكِّل الفكر التحليلي النقدي .

ثم انها ترى ان شكل القراءة من خلال الشاشات لايتعدى ( التصفح السريع ) وهذا التصفح أشد ضرراً على عملية القراءة ، فهو يحدُّ ويُجمّد عمليات التطور في الفهم والادراك ، والتي تُعتبر الحجر الاساس في تكوين (مَلَكَة القراءة) التي تقود الى القراءة الإيجابية والتفكير النقدي العميق .

• وهذا مانجد حالنا عليه عندما نقلّب وننبش في صفحات (الفيس بوك) عن منشورات قصيرة لاتتعدى سطراً أو سطرين ونحن نرتشف فنجان قهوة او قدح شاي أو نتناول قطع حلوى ، بل وصل الامر الى حد الإنعدام أو النفور من قراءة المنشور إن لم يكن مدعوماً بصورةٍ ما ، مما ولَّدَ لدينا مهارة قرائية عرجاء ، غير متفاعلة مع الذات ، إلا من خلال العاطفة والسطحية ، بعيدة عن التوقف والتأمل والتحليل والاستنباط .

• كلنا يشتاق الى قراءة الكتب والروايات العالمية والتي تنتهج الادب الكلاسيكي لعمالقة الادب العالمي ، ولكن من منّا حاول وأجهد نفسه لقرائتها الان ، او على الاقل تصفحها من خلال الانترنيت ؟

ـــ الجواب : أكاد أجزم (لا أحد) إلا القليل .

ـ هنالك آراء بحثية ونقدية تصنّف القراءة حسب التأثر بالنص ... وكالاتي :

(قراءة سلبية)
ـــــــــــــــــــــــ
وفيها يشبّهون القاريء بالكأس الفارغ الذي يُملاً بالنص ، أي كالكأس الذي يُملأ بسائلٍ ما ، فيتأثر لونه بلونِ السائل .. وهنا يُعتبر القاريء متقمصاً للنص . اي ان القاريء يُعتبر ماصّاً للنص لاأكثر ، كالاسفنجة التي تخزن السائل بين أجزائها .

وهذا كثير ما يحدث للقاريء عندما ينتهي من قراءة مقال او رواية أو أي نصّ مؤثِّر ، فسرعان ما نجدهُ متأثراً بما قرأ من افكار سلبية ، دون تحليل وتمحيص ومعرفة الهدف المرصود من ذلك النص . وقد يُغير منهج حياته كلها .

وكذلك نجد هذه الحالة يترجمها الواقع اليومي عبر صفحات (الفيس بوك) فكثير من الاخبار المُفبركة يُصَدّقها الكثير من القرّاء بسبب الابتعداد عن النظرة التحليلية. ويصبح القاريء وعاء متلقياً فقط ، أو إسفنجة ماصّة ، وهذا ماتشتغل عليه الكثير من المخابرات العالمية لتقويض همم الاخرين من خلال الإعلام الخبري المؤثر المدروس .
 
ـ وهذه رؤية نقّاد الغرب لقراءة (الانجيل) في القرون الوسطى ، فهم يعتبرونها قراءة انغماسية وذوبانية ووجدانية بحتة ، فهم يتعاملون مع النص دون تحليل ودون تفاعل بين عناصره وأجزاءه ، بحيث لا تشكل ردة فعل لدى المتلقي.

ـ وهنالك قراءة سلبية اخرى والتي هدفها هو حفظ بعض النصوص على ظهر قلب ، لالغرض الاسترجاع للفائدة التأليفية ، بل لغرض اعادة الالقاء عند الطلب دون معرفة دلالات مايُلفظ وما يُحفظ . وهذا دأب عليه ـ للاسف ـ نظامنا التعليمي الى يومنا هذا .

ـ بينما هناك وجه آخر للقراءة الايجابية من أجل الحفظ على ظهر قلب لتلك النصوص بعد تمحيصها والتقاط المفيد منها ليكون هدفاً. وإن هكذا نوع من القراءة هو تحويل النص الى جزء من الذات ، ليُحفَظ في الذاكرة ، لإسترجاعه كمادةِ مقارنة أو تناصية مع ما يُستَجَد من أفكار .

(قراءة إيجابية)
ــــــــــــــــــــــــ
هي القراءة النقدية التحليلية الحوارية ، بحيث  نجعل النص جزء من ذاتنا ، كي تأنس له النفس. لذلك كانت الثقافة الاغريقية والعربية تُشبّه القاريء الايجابي بـ (النحلة) التي تحوّل رحيق أزهار مختلفة الى عسل مختلف الالوان لذيذ الطعم فيه شفاء .

ـــ يحضر الآن سؤال :

• هل نهرب من القراءة الالكترونية ونرجع الى الكتاب الورقي ؟

ـ مِن المؤكد سيكون الجواب (كلا)

لان عجلة التطور مازالت تدور وبسرعة غير متوقعة ، والعادات الفردية الاجتماعية ستتأثر بذلك شئنا أم أبينا ، ومَن أراد الوقوف في محطةٍ ما سيجد نفسه أسفل الركب .

ولكن يمكننا القول بأن اسلوب القراءة هو المطلوب ، ونوع القراءة هو الهدف المُعلّى ، والقراءة الايجابية هي المسار الصحيح لتدريب المَلَكة .

ــ إذاً نستطيع ان نلخّص الاجابة عن السؤال الأهم :

• هل تعتبر القراءة مهارة مكتسبة أم موهبة موروثة ؟

ــ نفهم مما تقدم ـ بغض النظر عن نوع القراءة اليكترونية ام ورقية ـ  إن القراءة تُعَد مهارة مكتسبة وليست موهبة موروثة ، وهي فنٌّ ذاتيّ يمكن تطويره بالممارسة المدروسة وكثرة المران ، والتي ستعمل بدورها على تطوير شبكات عصبية معينة في الدماغ البشري ، وبهذا تتكون لدينا مهارة قراءة تقودنا الى الفهم والادراك .

ــ إذاً القراءة فنَّاً وفعلاً ومهارة تحتاج الى عناية ودراية وترويض ورياضة فكرية لايستهان بها ، ولابد من ترويض الذات على هذا الفعل ضمن ضوابط وأسس معتمدة ، كي تصبح القراءة رصينة ايجابية .

• والان تحضر بين ايدينا بعض الاسئلة ... منها :

ـــ وماذا بعد قتل الفراغ بالقراءة ؟

ـــ هل تُحدِث القراءة متغيرات في دواخلنا ؟

ـــ ذلك ماسنبينه في القادم بعون الله تعالى .

ـــ تقبلوا تحياتي وتقديري .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم