الشاعر والموسيقار اللبناني منصور الرحباني في بريد السماء الافتراضي : بقلم الأديب أسعد الجبوري
الشاعر والموسيقار اللبناني منصور الرحباني
في بريد السماء الافتراضي
___________________________________________________________________
س: كيف هو حالُ الشعر في فضاءات الشعراء .أيشبهُ طيراً .حجراً .سوقاً . شمساً ؟
ج/ أظنُ أن الشعر مرضٌ ،بقدر ما يتعاظمُ شغفاً ومراهقةً، بقدر ما هو مستودعٌ للآلام والأحلام والحطام.
س: وكلّ ذلك يحدث بسبب طيش القلب الشعري كما يعتقد الشاعر منصور الرحباني ؟
ج/ بالضبط .فالطيشُ ضميرٌ شعريٌ لا يُعلى عليه. إذ لا يمكنُ للرومانسي أن يقطع التنفسَ عن وردة حتى لو كانت من البلاستيك .
س: أنتَ رحلت مُترَجِلاً عن الدنيا دون قناعةٍ بالموت . كنتَ تريدُ الاستمرارَ في مجرى الحياة أطولَ .ألا تعتقدُ بأن رغبةً مثل تلك التي كانت تستعرُ بجوفك، ربما ستزعجُ توأم الروح عاصي الرحباني؟
ج/ لا أظن بأن عاصي يشّكُ بنوايّ إزاءه . كنا الأخوين على الأرض ،وسنستمر بذلك حتى هنا في حدائق السموات ومسارحها الكبرى.
س:هل كان الدخولُ للجنةِ صعباً .
ج/ لا يحتاجُ الشعراءُ إلى فيزا لدخول فردوس من فراديس الإله ،ربما لأنهم مُنِحوا ((كارت بلانش)) يوم كانوا بأرحام الأمهات وهم لا يعرفون .
س: وكيف رأيتَ الموتَ يا منصور الرحباني ؟
ج/ شقةً غير مفروشة .ذلك هو الموتُ كما رأيتهُ في أول لحظةٍ غمرني بها الترابُ وهو يتشرّبُ بجبيني .
س: لمَ جبينكَ وليس قلبك؟
ج/ شعرتُ بأن قلبي كان بعيداً عن التراب، ربما لأنهُ محميّ بحصانةٍ من الحب الذي حالَ دون ذلك، فيما جبيني ،فقد كان مرآةً للشمس. والموتُ لا يريدُ إلا أن يثأر من نقيضه .
س:هل الموتُ ربُّ العزلة ؟
ج/ لمْ تشكل العودةُ إلى التراب معضلةً عندي. فقد بدأت بقراءة موسوعة الموت فور رحيل عاصي ،ولم انتهِ منها حتى من بعد دفني.
س: بسبب عدم صلاحية ما اتفق على تسميته بـ ((الأخوين رحباني )) على سبيل المثال ؟
ج/ بالتأكيد. فموت عاصي ترك نصف جسدي فارغاً بلا معنى .فيما ودعتْ بيروتُ نصفي الثاني مع أكثر من سطر من الدموع التي كنت أسمع أنينها الحارّ.
س:تقصدُ إنك فشلتَ بتعويض النقص أو الفراغ الذي تحدثتَ عنه ؟
ج/ لم أفكر بذلك التعويض لأسدّ به خسارةَ نصفي الآخر. تركتُ نفسي أتعايش مع المراثي بصمت وحرقة قلب.
س: هل التقيت بعاصي هنا ؟
ج/ ليس بعد. شعرتُ بأن أخي يتهربُ مني ولا يريدُ مقابلتي كما أظن !
س: هل تظنُ أن عاصي غاضبٌ منك بسبب ما ارتكبتهُ من جنيات وخطايا بحق السيدة فيروز ونسل عاصي ممن تم إبعادهم عن المسرح وفي مقدمتهم زياد الرحباني ؟
ج/ ربما حدثت خطيئةٌ بفصل صوت فيروز وكيانها عن العائلة، ولكنني كنت متوجساً من عقلية زياد الموسيقية المتطورة ،تلك التي كوّنت عالماً موازٍ لنا في البناء والشهرة والأسلوب وفي صنع وكتابة الحكي الغنائي الذي سحبَ من تحت أقدامنا البساط رويداً رويداً دون أن يتأثر حتى برحيل والده أو تباعده عن أمه فيروز .
س: متى يفرُّ الشاعرُ من جلدهِ ؟
ج/ لا أظنُ شاعراً يقدرُ على فعل ذلك وينتصر. فكثيراً ما كانت جلودُ الشعراء أوراقاً ،كلّ ما يُكتب عليها ،لا يمحى بتلك السهولة ،مثلما ذكريات الورد مع الندى.
س: حتى بممحاة النسيان ؟
ج/ لا يغمرُ النسيانُ إلا الشعراء المولودين من الأرحام المصابة بالتصحر، وذلك لأن الشعرَ التفاعلي يشكلُ طاقةً حيويّةً مضادّةً للتغييب أو التجهيل أو النسيان.
س:ما قصدُ منصور الرحباني بالشعر التفاعلي ؟
ج/هو ذلك الشعرُ المشغولُ من القصب والحناء والكلماتِ الموجوعة تحت ثياب القواميس ،أو تلك الشاردة في شوارع المدن وأزقة الأرياف والمعطرة بالنساء .
س: وبرأيك.. كيف يُعَطَرُ الشِعر بالنساء ؟
ج/ قد لا تصح مقارنةُ القصيدة بالمرأة ،لأنها قرينةُ الشِعر، مثلما الأخير قرينٌ لها في الضوء وفي الظلام. في الموسيقى وفي الهجران. في الشغف وفي الوداع.في الحقل أو في السرير. في شناشيل ابنة الشلبي أو على شرفة روميو وجوليت.
س: وهل يكتملُ الاثنان بأفعال الغياب أو الموت كما يعتقد منصور الرحباني؟
ج/ في كل قصيدة أكثر من باب ،متى ما دخلت المرأةُ في الباب الأول وبقيت متشبثةً بالصالون دون البحث عن الأبواب الأخرى ،ستخسرُ بقية الغرف والأمكنة وتصبح في عدادِ العواطف المتجمّدة.
س:وهل كان الصالون من حصة زوجتك تيريز أبو جودة ؟
ج/ لا أبداً . تيريز كانت محتلةً سطحَ البيت، وتنظرُ نحوي من بعيد ، مراقبةً عوالمي بعينين مليئتين بالشكوك والأسى والحنين والافتخار .
س: هل كانت خائفةً على أية تحولات قد تطرأ على خريطة جسدك ؟
ج/ نعم. وعندما رحلتْ تيريز قبلي بسنوات، كانت ترسلُ لي المكاتيب من السموات عبر البريد القادم للأرض من الثقوب السوداء ،لمعرفة الكيفية التي أرعى فيها جسدي في البراري والأزقة والحقول والحانات وإناث المسرحيات.
س: ربما كانت المدام ُ ترى فيكَ صورةَ الراعي القديم الذي عشتَ دورهُ برعي الماعز والغنم في القرى العذراء .هل تعتقد بذلك؟
ج/ أنا سألتها عن ذلك، لكنها لم تردّ .
س:هل اجتمعتْ بها في السموات ولم تكترث بردّ السؤال؟
ج/ أجل .سكتتْ تيريز، ثم حَدَقتْ بوجهي طويلاً وتلاشتْ مختفيةً مثل غيمة صفراء وسط عاصفة موسيقية من الجاز .
س:إذا كانت مهنةُ الرعي مع الريح وعطر الورد والمطر وحكايات النواطير وألوان الشفق الممزوج بأصوات أجراس الكنائس ونحيب كؤوس الحانات هي مدرسة منصور الابتدائية التي تعلمتَ منها كتابة الشعر بشقية الشعبي المحكي والفصيح ، فما الذي منحتكَ إياه المرحلةُ الشرطية ،يوم عُينتَ دَركياً في عدلية بيروت ؟
ج/ لم تشوش المرحلةُ البوليسية على الذاكرة الرومانسية التي سرعان ما بدأت بالتفجيرات الواحدة تلو الأخرى بصوت فيروز.
أعتقد ان مهنتي كشرطي، ساعدتني بالتخلص من الفطرية الريفية ، لأنها استبدلتْ سكونَ الضيع البعيدة والبريئة التي كانت تغتسلُ بالغيوم، بالعاصمة بيروت التي سرعان ما حطمت البراءة بالحديد والإسمنت والصخب والفوضى.
س: تعني أن المدنَ تضربُ استقرارَ الشاعر نفسياً ؟!
ج/ تماماً. إلا أنني صممتُ الاستمرار بالكتابة من معين مخزوناتي القديمة: القصائد والأغاني والموشحات والأدوار ونصوص المسرحيات والغابات التي أصبحت أغصانها العنادلُ والعصافير.
(( يتبع))
لقراءة نص الحوار:
http://alimbaratur.com/?p=6278
تعليقات
إرسال تعليق