الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه في بريد السماء الافتراضي : بقلم الأديب أسعد الجبوري
الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه
في بريد السماء الافتراضي
_______________________________________________________________________
قبل أن أبدأ الحوار مع ريلكه،سألني أن كنت قد عبر على جسر الأفاعي خائفاً أم لا،فأخبرته بأنني نسيتُ إن كنت أملك جسداً أم ورقاً مُقوى بلا حواس. فضحك وهو يرَبَّتُ على كتفي قائلاً : أردت أن ترى نهر الأفاعي الذي أسكن على مقربة منه في هذا الكوخ الخزفي الأحمر الذي بناهُ العدميون منذ قديم الزمان.
فقلت له:
س:هل يعجبك الحديث المتكرر عن العدم ؟
ج/لا أعتقد إن أحداً لا يرتدي ثوب العدم .فهو القميصُ والتنورة والمايوه .ومثلما هو لباسُ السهرة السموكنغ،فهو الكفن أيضاً.
س:أنت عشتَ متوحداً مع وحدتك.فهل وجدت فيها ما يمكن إنقاذ روحك من الآلام ؟
ج/لقد سبق لي وأن قلت: (( ألا يجدر بهذه الآلام العتيقة جداً ،أن تعطينا الثمر أخيراً )) .ولكنني متُ ولم أحصل على ثمرة من تلك الشجرة.
س:وما هي ثمارُ الآلام برأي ريلكه؟
ج/ما كانت تلك الثمار إلا أناشيد لتغطية روح الغريب من البَرْد والصقيع والجفاف.
س:هل العُزلةُ تعززُ موقف الشاعر في اللغة كما ترى؟
ج/ قد تصبح العُزلة جنازةً للشاعر في أحد غرف اللغة،وبالتالي ،ليس ثمة طارد للأشباح عن مرآة الشعر الداخلية في تلك الغرفة المظلمة برائحة الخراب والتفسخ.
س: ولكن الشاعر يمكن أن يُرى كمدينة روحية ،أو هو كروحٍ تشبهُ مدينةً .
ج/ ربما.ولكنها مدينةٌ منكوبةٌ بزلزال.
س:ما الذي يدفع بكَ إلى أن تبني شعريتك على التشاؤم وحدهُ؟
ج/لأن جميع الأشياء ،بالنسبة لي كانت من الأغاني الممزقة ، ولا تستوفي شروط الحياة الحرّة السعيدة المطلقة.فلا وجود لمن يقوم بتشذيب الزمن من أغصان الغابات المُحَطمْة التي عادة ما تتجمع أخشابُها بداخلك، لتضاف إلى حطبك الباطني الخاص.
س:لماذا لم تشعل بنفسكَ ذلك الحطب وتنتهي من كل شئ دفعةً واحدة.
انه مجرّد عود ثقاب.أليس كذلك يا ريلكه؟!
ج/لم أكنْ اشعرُ برغبة بالانتحار آنذاك ،قبل أن أنتهي من تجميع قطع غياري الضائعة بعد العثور عليها .وكذلك لأنني كنتُ منتظراً مجيء مُخلّص من عالم الأساطير،ليقدمَ الحلولَ لمشكلات الإنسان
س: وخابت آمالكَ محترقةً مع صندوق الأحلام.مثلما كتبت أنت ذات يوم:
((هذا العالَم نشيّدهُ،
فينهارُ،
ثم نشيّدهُ ثانيةً
فننهارُ نحنُ .))
ماذا حدث بعد ذلك؟
ج/أجل.كتبتُ عن انهيارنا الأخلاقي ،دون أن أنسى انهياري الشخصي .كنت أرى نفسي بئراً سحيقة تملؤها الظلماتُ،فدفع بي الأسى إلى النظر في المياه المظلمة تلك ،لأتفرسَ وجهي مثلما كان يفعل ذلك ((نركسوس)) منتوج الأسطورة اليونانية ،عندما عشقَ جمالَ وجههِ ،دون أن يكف عن النظر إليه على سطح تلك المياه.
((يتبع))
تعليقات
إرسال تعليق