قصة..وتأملات.. بفلم الكاتب مهدي الشعراني
قصة.. وتأمّلات ...
------
لملم أبومحمود أشياءه بعد أن لملمت الشمس آخر خيوطها ومالت مودعةً النهار،وامتد الغروب عبر كامل الأفق ،وقبل أن يأخذ الغسق مكانه، ذاك المُزارع النشيط الذي لم تمنعه أعوامه السبعين ونيّف من العمل بالأرض ليس لفاقةٍ أو حاجة إنما عشقه لها وممارسة ميوله الزراعية منذ إحالته على التقاعد استعد للعودة لبيته،وقبل المغادرة وقف منتصباً بقامته الفارهةوهمته العالية ويداه على خصره يرمي بنظره من سجف المساء إلى البعيد ويجول به يمنةً ويسرةً مقطّباً حاجبيه العريضَين متأملاً بمتعة هذه اللوحة الطبيعية وماأنجزه بالساعات الماضية من ترتيبٍ وتشذيبٍ وتعشيب،ثم انحنى وملأ قبضته من ترابها وأخذ يداعبها وتفركها اصابعه بحنان كزنبقةٍ واستنشق أريجها وأعادها بلطف مع ابتسامة خجولة كأنه يعتذر من ذراتها او في لحظة وداعٍ أخير..استدار ابومحمود على مهلٍ وبعد تأكده من إغلاق غرفة المزرعة سحب دراجته الهوائية التي يعلوها بعض إنتاج أرضه وماتيسّر من عسل منحلته الصغيرة واتجه سيراً بجوٍ جذاب شاعري.. والذي ذكّره بأولاده الثلاثة الذين يتابعون الدراسات العليا الآن خارج البلاد وكيف كانوا يرافقوه بسعادة وهم يضحكون ويتدافعون وقلبه ينبض بالدعاء لهم بالتوفيق...
وصل الى داره الريفية الكبيرة،وكعادته كفتى مشاغب دخل مختلقاً الفرح والمواويل والطرائف بقصد إضحاك زوجته المصابة بشلل نصفي،ولكن رآها متكئة على حافة كرسيّها المتحرك ويتوسط وجهها الابيض الواسع بقايا ابتسامة،فتقدم إليها بتؤدة وقبّل رأسها برفق،وإذ هي مفارقة للحياة..
وهرعت ابنته البارّة بوالديها،وقام ابناؤها والجيران بمراسم الدفن تحت شجرة الجوز العملاقة جانب الدار تنفيذاً لوصيتها والتي كانت تظللها وزوجها ببدايات الحب الذي جمعهما..
أخذ ابومحمود دورها بالبيت وطيفها ملتصق به،فيراه بين الورود التي يسقيها وبين اغصان الشجر ونسائم الهواء ومواء قطة المنزل التي لم تفارقها قطّ،ويجالس قبرها ويأتي بالشاي مشروبها المفضل واضعا الابريق والكأس على تربتها،ولم يفت على رحيلها حوالي الشهر حتى توفي بأزمة قلبية حادة وايضا دفن بجانبها،لتظل القطة وحيدةً تتنقل على وبين القبرَين محاولةً عدم المساس بهما من قبل أيٍّ كان،وفقط يزور البعض قبرهما عن بعد امتار ويقرؤون فاتحة المحبة الصادقة ويتعلمون دروس الفناء بالحب..
-------
يااخوتي بالانتقال من الخيال للحقيقة التي مفادها أن الحب الذي قام علماء النفس بتقسيمه لاثنتي عشرة مرحلة أولها الهوى وآخرها الهُيام،حتى الهُيام هي جزء من كلّ،فكما قال ستاندل:الحب اشد انواع السحر فاعلية،والفاعلية هنا حركة ميكانيكية وكيميائية وكونية ونفسية وآخرها عاطفية والتي تجمع قطبَي المملكة الانسانية المرأة والرجل..والمحبة هي ارادة وعقل وعاطفة، وحتى تبادل العلاقة بين الانسان والحيوان والعكس هي تعلُّق ونوع من المحبة،تضامن الغيوم وارسالها بغيثها واستقباله من الارض بلهفة العطاش هي وجه محبة ..فالمحبة هي محور الكون، وكما قال جبران شعراً:
لوتعشق البيداء اصبح رملها
زهراً وصار سرابها الخداع ما
ياصاحِ خذ علم المحبة عنهما
إني وجدت الحب علماً قيّما
أخيرا إن تقبُلَنا لبعضنا محبة
والله محبة
وادام الله بيننا المحبة
تعليقات
إرسال تعليق