قراءة بقلم الناقدة مرشدة جاويش لنص طوقني بحلم للشاعرة سرية عثمان
التأويلية الإشاراتية
في النزعة النفسية المحفزة نحو قدسية المعنى
ل/ نص
طَوِقْني بِحُلم
للشاعرة السورية سرية العثمان
النص :
كَيفَ ألِجُ حُلمي
وجُرحُ غيابُكَ يَنكأُ وَجَعي
كَصبحٍ يَفّرّ عارياً
مسلوخاً من نَهارهِ
ينسكبُ على ذاكِرتي
مِلحاً يَكوي أزرارها
يَنفلتُ قميصي من جِلدهِ
يُدثِرّ هُيولى الكَون
فضاءٌ كَونيّ أسْكُنُه
كَثيرُ الحركة
كَثيرُ الإهتِزاز
كَثيرُ الإندِفاع
كَثيرُ الإمتِلاء
عَميقُ الغَوص
أُرتبُ:
شَهقاتِ مَسائي
أدوزنُ لَحنَ الروح
أدخنُ الحسرة أغنيةً
فَوقَ قَصبِ الغيابِ
تَفيضُ روحُكَ
كَصحوةِ الليلِ
تَتسربلُ نحوَ ذاكرتي
كَحريرٍ..من قَزٍّ و توت
تباً لأُمنياتي..
تَغصُّ بها حُنحرتي
كجُرمٍ..عَبرَ مرايا الضوءِ
تاهَ في سَماواتٍ كثيفةِ النُجوم
تباً للمرايا..
لا أرى أثراً لِلظِلال
جاحدةً كغيمةٍ كاذبةِ المطر
في غَبشِ نِصالِ البَرق
وِسادَتي..
هُلاميةُ الأبعاد
أدسُّ في تجاويفها حُلُمي
أراقصُ جُنوني
في طَياتِ ثَمالةِ الحُزن
والنبيذَ عناقيدَ اختمار
القراءة :
من العتبة النصية للغة الشاعرة (طوقني بحلم) نجد الجملة الإنشائية التي تتنابذ بين التطويق المجسوس والحلم غير الملموس الكلمتان طوقني _ بحلم ) تتلاقيان بلا تجاذب معني إنما إيحائي لتعطيا أبعاد النص فيما بعد فالتطويق له عدة معاني منها الإحاطة والتسوير الذي يحمل الجملة الشعرية لنبوءة مؤملة (حلم) فالحامل المتناغم بين الدال والمدلول للأنا من حيث المضامين والإيحائية القصدية للمعنى من خلال العنونة النصية هي متفرقات الذات الناهضة وإشارة للتناصية النفسية والأنوية المتوزعة بالنص كما سنرى ذلك بكوامن القصيدة المتحدة بالذات ضمن الواقعية الشعرية ووفق معطيات الحالة الشاعرة
إن قسّمنا النص لانجد تناوبات حسية مغايرة للمعنى العام فالنص دلالياً مكتنز كله بالحالة النفسية
المغناطيسية الجامعة للنص وهي مخضّلة بنوازع الذات ولها انبجاسات تحل أزرار الأنا حتى مطلع الحزن وتؤذن باحتراقات عدة تتوضأ نزيف الشجن فلقد استهلت الشاعرة بإسم الإستفهام (كيف) جملتها الانشائية الموحية بالتعجب بتداخلية العقلانية التي تستنبط من خلالها روحانية الغرض لإظهار الحالة الملفحة بالأسى والألم (وجُرحُ غيابُكَ يَنكأُ وَجَعي) بين الملموس والمحسوس تنبت الرؤية (جرح = ملموس ) و(غيابك = محسوس) هذه المسائلة النفسية ب (كيف) أخذت الذات الشاعرة إلى غيبوبة الوجع المحتطبة الروح التي غادرها الحلم وإشارة للأرق فما عاد للحلم من مرتجع للذات المكلومة المتجمهرة بصلاة العناء المراودة للنفس هنا إيحاء لشدة الحالة الأنوية التي لاتنام
ونلج النص لنجد المعنى البلاغي الإخباري فيه له هيئته العامة المؤداة من خلال الجمل الفعلية المكتنزة بالنص
وله غائية تعلن مدى إلحاح الذات التي برّحها الحلم المغارب وحرّك جراحها واجترحها ذاك الغياب المؤرق لتتخلق إمتاع جمالي برغم حزن الصورة وبتصويرية حسية لها ذهنيتها المتعالقة مع الشعورية الأنوية
المترعة بالبعد الرمزي الذاتي الذي يتسع والصور المكتنزة الدلالة والحسية التي تكتمل
ك_ (كَصبحٍ يفّرّ عارياً
مسلوخاً من نَهارهِ)
التجريد الكلي للذات بذاك الانسلاخ المباح وبتلك التورية المرادفة للألم واحتقان الجرح من ذاك الغياب تصويرية عالية بهذه الصورة البيانية العالية المزاج واحتراق الروح المثقلة بعتمتها فما عاد من حضور للنهار\ للبياض \ للسكينة \
(ينسكبُ على ذاكِرتي
مِلحاً يَكوي أزرارها
يَنفلتُ قميصي من جِلدهِ
يُدثِرّ هُيولى الكَون
فضاءٌ كَونيّ أسْكُنُه
كَثيرُ الحركة
كَثيرُ الإهتِزاز
كَثيرُ الإندِفاع
كَثيرُ الإمتِلاء
عَميقُ الغَوص)
صور بارعة عميقة تحمل المسؤولية الأدبية
فكيف ينسكب الملح على أزرار الذاكرة؟ إشاراتية عن توقد النفس الملتهبة
وكيف ينفلت القميص عن جلده؟ فالجلد ينخلع عنه قميصه \هنا الصورة \مذهلة للدلالة على مكنون النفس المترعة ببؤر عدة وحراكات متلونة بإنهماكات متعاقبة فللأزرار بعدها الرمزي الذي يندرج تحت انسكاب الملح ليبرعم الصورالمكتظة بالحزن
فالشاعرة لم تقل زراً بل أزرار لتكثيف الحالة النفسية إذاً هذا الملح قد زاوج صورالذاكرة المزدحمة المأهولة بالتعب
فالكوي للأزرار إشارة لفكّ الشريط المؤلم
(ملحاً ) هنا تمييز ملحوظ بانتقالية متحدية مادية من زمانية (النهار)
انتقالية للمكانية أي من الذات إلى الكون (يدثرهيولى الكون) إشارة للإحاطة بانصباب الحزن
ومحض تصرفية كيفية نجد الذات
تلجأ / ل/ (فضاءٌ كَونيّ أسْكُنُه ) تستقر بحالة من
اليقين الذي يتبع ابتسمولوجيا الأنا المرهقة لتأخذ مكمنها بمتسع فضائي فضفاض وتنثر الوجع من خلاله فالفضاء
هو مكان لايحدّ من خلال ذاك السكن تنفلت مدارات الذات ب/
كَثيرُ الحركة
كَثيرُ الإهتِزاز
كَثيرُ الإندِفاع
كَثيرُ الإمتِلاء
عَميقُ الغَوص
فهذا السكن فيه كل تلك الحراكات
والتنفسات والإندفاعات المكتظة والموغلة للأعماق بجمر القهر
هي تضادية فالفضاء ساكن والذات التي سكنته ثائرة مفسرة لواعجها لعلنا نجدهنا بيانية لغائية معنية تقول الكثير عن مكنون الأنا
فالإنتقالية الأنوية الفاعلة غائيتها شرح الحال
القائم/ ب
كَثيرُ الحركة
كَثيرُ الإهتِزاز
كَثيرُ الإندِفاع
كَثيرُ الإمتِلاء
عَميقُ الغَوص
فكل تلك التبدلات الذاتية بزمكنتها المنظمة وتلك المراوغات النفسية لكي تسكن الأنا الشاعرة من خلالها لنفسها وترتب الروح الهائمة
ب/ أُرتبُ:
شَهقاتِ مَسائي
أدوزنُ لَحنَ الروح
أدخنُ الحسرة أغنيةً
فَوقَ قَصبِ الغيابِ
ف/ أرتب تشير دلالةً على وجود عدة أشياء تحتاج الإهتمام والتنسيق.... فالمساء من خلاله تنكأ الجروح
بشهيق الحزن المتراكم
وأيضاً يتبعها ( أدوزن_أدخن) فالدوزنة/ تنظيم
وهنا دلالة على العناية بالروح المبرمة المجترحة أي تحكمية آمرية ذاتوية بتأويلية فالدوزنة ليس للإنسان هي للحن اذاً إشاراتية من الأنسنة للجماد لكن الغائية هي (الحراك) بالدوزنة وتلعب اقتدارية المبدعة على رفع معنى الصورة الإيحائي الرمزي
(أدخن)
بالتدخين عادة تنفس الذات كل حسراتها أحياناً ًوعلى مراحل ونثر الوجع مرحلة مرحلة كما أرادتها تصويرياً فالتدخين عادة متقطع فالحسرات إذاً تتراتل وتتالى مهافتة للآلام لتشّقّ عباب النفس المنبجسة بالحزن لذاك الغياب
ونجد أيضاً التشاركية بين الكون المكتظ بالهيولى المترعة وبين ترتيب تلك الهيولى المبرعمة للحالة ثقلها برُغب تواكبية تمفصلية بين الحدثية النفسية التشاركية التي اتسعت بالفضاء أي
(ماقبل التشكل ) وبين ترتيبية النفس الفردية بتواتر صورالحسرة و(مابعد الصيرورة الأنوية) فهي احتمالية الراحة للأنا أو استكمال الألم وبوادره الكامنة ربما ؟
تتزنراللغة عمق الصور
ك (تفيض روحك كصحوة الليل تتسربل نحو ذاكرتي كحرير من قز وتوت ) هنا إفاضة في تشكيل نهري بنيوي لروح تغافلها بالنجوى وكأنها تنسل عنوة في تقلب بنيوي تجسيدي مع طرح بديع تصويري وضع صمت الليل كمروج يمر عليها هذا الفيض النهري فتينع في هيئة صحوة لتلك الذكريات في نعومة في توافق مفصلي بديع وأوراق التوت وأوراق الذكريات ومخملية عودة أصداء الذكرى وما في الفؤاد لها من حبور وفي نكوص سريع يعاود الشاعرة هذا التعامي وتساؤلات تأخذها نحو محور اللعان (تباً لأمنياتي تغص بها حنجرتي كجرم عبر مرايا الضوء) التي تقف مسيجة أمام الأماني وضعها في حوليات الغير ممكن في بنيوية من المجسدات التي تحمل المعاناة كأجرام سماوية ضالة رؤيتها في ظل الزحام ضمن تحولات دلالية ناجمة من المدى العمقي الذي حفرته الأنا تصويرياً فيتوه الأثر في متاهة تحيطها زفرات الضيق من ذاك الحمل الكاذب ( كغيمة كاذبة ) للغد وقسوة الأيام ( نصال البرق ) التي تعيق التمنيات وتقف كحجر عثرة لتعود سيرتها الأولى رفقة السهاد
( وسادتي ) بعيد الأمداء ( هلامية) رخو لايترك الأثر بل يبتلعه كرمال متحركة غسقها نهم في اختلاس الأحلام
معاني تتجلى فيها حركة الأصابع التشكيلية المحترفة فالنص فيه تحولات مدركة وأخرى مضمرة التي تبقى ضمن الإحتمالية بين الكائن الشعري والمكنون المرجح للإحتمال ضمن الصورة المؤدية للوصف النفسي
حين تسترسل الشاعرة بتصاعدية الحدثية الدالة التي تمزج المكونات الضمنية النفسية مع الظاهرية المتوزعة بالجو العام للنص ألا وهو (الحزن) نرى هذا يتجسد ب( أراقص جنوني في طيات ثمالة الحزن) بهذه الصورة يحضرنا المشهد الأخير ورقصة جنائزية في تأبين أمل تتأرجح فيه النبضات الثملة بلطمات الشجن وكأنها في تجرع مستمر لاينضب لكأس الهجر ....
فالنص معجمه الشعري اقتناص ظاهراتي لجواهر عناصر الكون
(نهاره \ هيولى الكون \ فضاء كوني \ الليل \ مسائي\ كجرم \ النجوم \ كغيمة \ المطر\ غبش )
وإعادة بنائها باستخدام الرمزية التي باتت من مظاهر التجديد النثري بتوظيف معني مجدي وهي سمة جمالية تثمر من خلالها الدلالة وابتكارات الصور التي تعتمد الاستعارة والكناية والتشبيه كما تجلى في أغلب النص وأشرنا للمقاطع التصويرية (جرح غيابك/ كصبح يفر عارياً) بعيداً عن النمطية بصياغة مجددة عصرية وتجريب غير تقليدي حاكته الشاعرة الإنزياحية مجازاً وترميزاً وأيضاً بطريقة إحترافية وسيميائية نفسية مدمجة بإغناء كلي في بوح الذات
فهو أي النص سمفونية حب معاتب ومُسائل ببلاغة صياغية وتوترات صورية وتوازيات ايقاعية ب( كثير الحركة
كثير الاهتزاز
كثير الاندفاع)
تركيبته اعتمدت معطيات الطبيعة لتعطي معنى الترددات الحسية وتقلباتها التي تتراوح بين وجع الروح وعذرية البياض النفسي من خلال الحوارية الموجهة للآخر فيتلون حينها النص (بلا وعي القصيدة) والإحتمالات القرائية بالنص لاتتلون بل مجريات الصور تمضي لأحوال نفسية أثقلها الغياب بحراكها المنتفض تحاكي من خلاله نص الشعر ويحاكيها هو بممكناته المتاحة الثابتة في أي من تفاصيل النص الشعري المضمون الرؤية
فالمسار لايتعرج إنما الصور هي التي تبرع بها الشاعرة الاوذيسية الأدونيسية اللامحدودة الخيال البعيد عن ( الإستاتيكية ) لتتشكل بحرفنة على صرير الذات وتخاتل النفس بمرود عيني يجلو الروح وتنازعه الذات الشاعرة بالألم المكنوز والمؤرق
نص قوي بمفارقات لها ( ديناميكية ) الصورة الشعرية المؤثثة لمدى تلاحمي روحي ذاتوي يلامس العمق الوجداني
والاستعارات المحمولة بالنص لها تكوينها الدلالي الموفق بإلتقاطات الأنا والتوظيف الشعري واكب التصوير النفسي المرتبط بالكونية المحيطة بالأنا وتجلياتها التي أخذت النص ليحاد مسلكه الومضي المؤثر ويخلق تماهياً لفظياً وآخر وصفياً معنياً شكلياً (ينسكب على ذاكرتي ملحاً يكوي أزرارها)
وهذا يشير على ملحاحية اللحظة الشعرية وتكثيفها برغم الاعتماد على الاقتصادية اللغوية بالصورة ولكن أبعادها كانت عليا ومبهرة وهذا هو النثر المجدد الذي تمتاز به مبدعتنا التي تدع مجالاً للمتلقي لزيادة مساحة التفكير
نص منظم من مبدعة تمتلك أصابع الإدهاش وتعطي شتى الإنطباعات لنصها المواكب مافوق الميتا الحداثة ببراعة لغوية ومجاز ينحاز لرمزية محققة بإمتياز يقوم باكتشافها القارئ الذي يتولى تنظيم الشعرية وبناء الدلالة
.........................
٢٠٢٢/٢/١
قراءة :مرشدة جاويش
تعليقات
إرسال تعليق