PNGHunt-com-2

اللحن والتناص القرآني في الشعر / نظم الشاعر ستار الزهيري إنموذجا : الناقد كريم القاسم

(اللحن والتناص القرآني في الشعر)

نظم الشاعر ستار الزهيري إنموذجاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( وما تلْكَ العَصاةُ بكفِ زَينٍ..... سوى أفعى تَردُ السِّحرَ قَهرا )

تهشُ الليلَ تَدْمَغُهُ بفَجرٍ ...... وتأتي بالمآربِ تلوَ أُخرى )

· في هذين البيتين الشعريين نستخلص فائدتين نقديتين :

1- الاقتباس والتضمين القرآني (تناص).

2- اللحن .

اولاً/

ـــــــــــــــ

· لنتأمل التناص القرآني والاقتباسات اللفظية الرائعة والتي استطاع الشاعر ستار الزهيري من اقتطافها لحياكة ونسج صوره الشعرية الراقية :

تضمن البيتان الشعريان اعلاه اقتباساً قرآنيا رائعا من سورة (طه) في الآيات المباركات التاليات :

(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) طه 17

(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) طه ـ 18

(فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) طه ـ 20

(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) طه ـ 69

· من هذه الايات المباركات استطاع الشاعر أن يخلق صورة شعرية تضمنت بعض الالفاظ التي تشير الى معنى محدد .

· فمثلا :

ــ نجد المفردات (العصاة ، افعى، السحر ، تهش ، مآرب ، أخرى) هي ذاتها في النص القرآني ، وحال ورودها الى ذهن المتلقي سيفهم بالتأكيد مراد الشاعر ، وكيفية ربط الصورة بقصة نبي الله موسى عليه السلام وماجرى على السحرة من التقاف حياتهم من قبل عصا موسى  .

ــ ابتدأ الشاعر البيتين الشعريين بذات اللفظ القرآني (وماتلكَ) و (تهش) مع تغير الحرف الاول في الفعل المضارع القرآني (أهشُ) الى (تهشُ) فاكسب البيتين تناصا رائعا دون ان يمس اللفظ القرآني بمالايناسب المقام او يقود النظم الى مايندرج تحت رتبة التحريف ـ لاسامح الله ـ وهذا اهتمام رائع يجب الاشارة اليه ، كي لا يفهم الشعراء بأن الاقتباس والتناص القرآني هو أخذ الاية بذات لفظها وتبديل بعض مفرداتها متصوراً انه جاء بالابداع ، وهذا مانجده ـ لللأسف ـ منتشرا في متون (الفيس بوك) هذه الايام .

· يجب ان يحسب الشاعر حساباته حين يرسم صورة شعرية معتمدا على الاقتباس والتناص القرآني ، فيجب أن يجعل المعنى مناسباً للمقام او الذات المعنية بالصورة ، فحين شبَّه فعل موسى وعصاه لابد ان يُلبسها ثوبا جديداً يليق بصاحب المقام وهو (علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب) رضي الله عنهم وارضاهم والملقب بـ (زين العابدين) وهذه نباهة نبيلة وفطنة ، فهم آل بيت النبي عليه وعلى آله واصحابه المنتجبين افضل الصلاة والسلام ، لايليق بهم الا الكلام السامي عالي الرتبة والمقام .

ثانياً/

ــــــــــــــ

ـ لربما يسأل سائل :

ــ لماذا قال الشاعر (عَصاة) والمفروض أن يقول (عَصا) في الوقت الذي جاءت في القرآن (قَالَ هِيَ عَصَايَ) ؟

ــ الجواب /

ـ جاء في لسان العرب - ابن منظور - ج ١٥ - الصفحة ٦٤

" قال الأزهري: ويقال للعصا عصاة، بالهاء، يقال أخذت عصاته، قال: ومنهم من كره هذه اللغة "

" وقال الفراء: أول لحن سُمع بالعراق هذه عصاتي، بالتاء. "

ــ اللحن في اللغة تضمَّنَ معان كثيرة  . ومجمل القول ان النُّحاة اصطلحوا عليه ، هو مخالفة العرب في سنن كلامهم . وهو ذو اشكال كثيرة ، ليس المجال لذكرها .

والبعض اعتبر اللحن ظاهرة سلبية على اللغة العربية، ولذلك وضع النحاة واللغويون قواعد النحو والصرف لصيانة اللسان وحفظ القرآن من التحريف ، وألفت بهذا الامر كتب كثيرة جداً ومصنفات لاتحصى .

· نتسائل :

ــ ما الذي دعا اللسان العربي الى اللحن في الكلام ؟

ـ كان عرب الجاهلية يتكلمون بلغة عربية صحيحة فصيحة سليمة لاتعرف اللحن ، محصنة من الخطأ ، كون لغتهم تصدر عن سليقة وفطرة فطروا عليها .

وبعد اتساع الدولة الاسلامية واختلاط الاقوام المختلفة بالعرب تداخلت اللغات مما احدثت لحناً في كثير من المواطن . وكان اللحن شائعا على لسان العامة ، مالبث ان تناولته السن الكتّاب الفصحاء والشعراء واصبح كالأمر المعتاد .

كقولهم مثلا ً:

(زيدٌ أفضلُ إخوته) وهذا لحن ، والصحيح (زيدٌ أفضل الإخوة).

ــ ولوتأملنا مانكتب ومانتحدث به ، لاصابنا العجب من حجم وكثافة اللحن في مانقول .

وكثير من النقاد واهل الاختصاص اعتبر هذا الامر كارثة ، والبعض جعله ذنباً وعصيانا . في الوقت الذي يجب ان نعترف بأن اللغة هي كائن حيّ تتطور بتطور المجتمع وبمرور الزمن ، والتطور الدلالي أمر لامفر منه ، واصبح في مقام  الحتمية . كما ان علماء اللسانيات وجدوا اللسان لابد أن تحدث له تبدلات صوتية بمرور الازمنة ، وهي قوانين طبيعية في الحياة .

ــ من هذا نستنتج ان مفردة (عصاة) التي وردت في البيت الشعري الاول هي في الاصل الصحيح (عصا) وهذا ماجاء به القرآن الكريم ، إلا ان في العراق لحن اللفظ فصار (عصاة)

· اقول من وجهة نظري الشخصية ، لو بُدل اللفظ الى الاصل مع تهذيب نظم البيت الشعري بما يناسب تفعيلة البحر والوزن ، لكان البيت الشعري افصح ، وهو مانبتغيه في الشعر .

· الشاعر الزهيري يجيد هكذا تصويرات شعرية ، ودقيق الاقتباس ، وهو مايجعل شعره محطة جاذبة نقدية رائعة .

ــ احترامي وتقديري ....

...............................................................

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم