PNGHunt-com-2

مشروع الخياط في التجديد : بقلم الناقد كريم القاسم

( مشروع الخياط في التجديد )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي زين رقاب البلاغة بلآليء الفصاحة والبيان ، وجعل اللفظ دليلا على المعاني ، والمعاني دليلا على الجنان ، وبعد :

اعلم اخي العزيز الاستاذ (شاكر الخياط) وفقكم الله :

ان العلم اشرف ماطمع فيه طامع ، وافضل ما سمعَ به سامع ، لان شرفه يثمر على صاحبه ، وفضله ينمي على سامعه .

وقال القدماء :

( عليك بكل نوع من العلم فخذ منه ، فإن المرء عدو ماجهل )

وقال احد الادباء الأقدمون :

(كلّ عِزٍّ لايوطده علم مَذلّة ، وكل عِلم لايوطّده عقل مضلة .)

وسابقاً وعلى مدى الفترات التأريخية ، مَرَّت النظريات بمراحل جعلتها طي السرية والكتمان ، خوفا من ناعق ينعق او لاعق يلعق ، وحتى الرسالات السماوية لم تسلم من هذه الضريبة .

لذا ؛ فلقد كان الكثير ممن لديهم الآراء الحداثية ، والرؤى الابتكارية ، لاينشرون بضاعتهم ، ظَناً منهم ببعد غايتهم ، اوصعوبة استقطاب من يفهمهم . وإني أجد هذا الظن هو اعتذار ذوي النقص ، وخيفة اهل العجز ، لان الإخبار قبل الاختبار جهل ، والخشية قبل الابتلاء عجز ، وحاشاك ان تكون من هذا الطراز بعون الله تعالى ... وقد قال الشاعر :

(لاتكونن للأمور هيوبا ..... فإلى خيبة يصير الهيوبُ)

واعلم أخي الحبيب :

إن الغرض من عرض هذا المقال على العلن ، هو لتلاقح افكار مَن لديه رأي ، أو من يدلو بدلوه من اصحاب الخبرة والاختصاص ، او يتابع ويستفسر من كان متذوقا للشعر ، لان الافكار اذا تلاقحت تناصحتْ ونضجَتْ وأَنتجَتْ .

وبعد هذه الفائدة المتواضعة اقول :

ان لسان العرب وكلامهم على فـَنـّـينِ ، فـَن الشعر المنظوم ، وهو الكلام الموزون المُقفى ، أي الذي تكون اوزانه كلها على رويٍ واحد وهو القافية .

وفـَن النثر وهو الكلام الغير موزون ، ولا اريد الاستطراد في هذا السرد ، وأنتَ الاستاذ المبجل العارف في فنون ومذاهب كل نوع من هذين الفَنين .

لكن الذي يهمنا هنا هو الشعر ، والشعر يعتمد كالنثر على الفصاحة والبلاغة .

والشعر الناجح والناصح ادبياً وذوقاً هو الذي يعتمد اصولاً ثابتة مِن حيث إجادة المطلع من الكلام ليصبح دالاّ على معاني ماتلاه من كلام ، فإن كان هناءً فهناءً ، وان كان عزاءً فعزاءً ، وان كان رثاءً فرثاءً ... وهكذا .

وفائدة ذلك هي لمعرفة المراد من مبدأ الكلام ، وهذه القاعده هي التي يجب على الناظم والشاعر ان يلتزم بها ، لينظم ما ينسجم مع المطلع ، ولايأتي بلفظ ومعنى نافر للمقام ... او مايخالف الذوق العام . وهذا ليس كلاماً من وحي افكارنا ، بل هو سُنّة وضعها الاوائل والخبراء بهذا الفـَن ... وهكذا بالنسبة لأجادة المقطع ، ثم التخلص والاقتضاب ، وكيفية جعل الكلام بعضه يأخذ برقاب بعض .

من هذه الشذرات والفوائد التي اختصرتُ مضامينها ـــ لمعرفتي بأن جنابكم غير بعيد عنها بل في أتونها ـــ يعنينا الان السؤال التالي :

• هل يمكن للشعر ان يتطور ..؟؟

ـــ واذا كان الجواب ( نعم )

• ماهي حدود تطوره ...؟

• وهل يُأخذ الامر بالعشوائية والفوضوية كما في القصيدة النثرية ، ام يتحرك التطور ضمن أسس وقوانين ومميزات تجعل من الشكل والمبنى يسمى (قصيدة) ... ؟

ــ لذا سنتطرق بشيء من الاختصار لحركة التطور في الشعر :

المتتبع لهذا الامر يجد ان فكرة التجديد والتحرر من قيود القصيدة العربية من حيث القافية والوزن ليس بالامر الجديد ، فقد بدأت هذه الحركة او الظاهرة تنمو مع تقدم وتطور الحضارة . وكثير من النقاد يصف الشعر بالكائن الحي ، ينمو ويشيخ ، لكنه لايموت بل يتجدد . حيث ظهر شكل معين للقصيدة الجديدة في العصر العباسي ابان التطور الثقافي والعلمي الهائل والتلاقح الحضاري آنذاك ، والذي انتج نوعاً من التفكير في تطوير مفردات الحياة ومنها القصيدة . وبرز إلى الساحة بعض الشعراء المجددين ، أمثال بشار بن برد ، ومن جاء بعده ، ليحطموا جدار الجمود للقصيدة  ، وحاولوا الخروج من زحمة المألوف ، والتحرر من الشكل التقليدي ، حتى ابتكروا شكلا جديدا مُقفى يعرف بالخماسيات ، حيث تنظم القصيدة في وحدات خماسية الأشطر ، ثم تلاه نوعا آخرا من الشعر ، وهو الشعر المزدوج حيث يتحد كل شطرين بقافية واحدة ، واستمر الشعر في التجدد حتى وصل العهد الاندلسي ، حيث ظهرت المشطرات بكل انواعها الجميلة كالمثلثات والمربعات والمخمسات والموشحات وغيرها ، وهذا كله خروج عن المألوف والتقليد ، لكنه لايمس الاصول والأسس التي تكوّن شكل وجسم القصيدة . ويستمر هذا التفاعل والعلاقة الشعرية الانسانية ، حتى جاء اكثر من شاعر في أوائل القرن العشرين ، وصرحوا بضرورة التحرر من القافية التي تقف مانعاً يحول دون نظم القصائد الطويلة ، فجاء ( توفيق البكري) بقصيدة بدون قافية أسماها (ذات القوافي) ثم تلاه (جميل صدقي الزهاوي) و (عبد الرحمن شكري ) وغيرهم ...حتى وصلنا الى مرحلة الشعر الحر ، والمسمى بشعر التفعيلة ، حيث يتمتع بالحرية في تنويع عدد التفعيلات أو أطوال الأشطر ، بشرط أن تكون التفعيلات في الأسطر متشابهة . وقد بدأ في هذا التجديد (بدر شاكر السياب ) و(نازك الملائكة) ثم تلاهم شعراء من مصر وغيرها من البلدان العربية . بعدها ظهر نوع من التجديد في الآونة الاخيرة مايسمى بـ (القصيدة النثرية) أو (الشعر المنثور) وقد اطرقتُ برأيي الشخصي بشأنها في مناسبات سابقة يمكن مراجعتها .

ــ بعد هذه المسيرة الطويلة للشعر ، علينا ان لا نتصور ان حركة التجديد تسير بيسرٍ وسهولة ، بل لابد من وجود منغّصات وعقبات ، وقد عانى الشباب الشعراء اية معاناة ، واتهامهم بالخروج على قيود وموسيقى القصيدة التقليدية ، وهذه سُنّة الحياة ــ "الناس اعداء لما جهلوا" ــ حتى يحدث التَطبّع مع النتاج الجديد . فلقد ادركوا بأن النظام القديم للقصيدة العربية يعترض طريقهم للإنطلاق نحو شكل جديد للقصيدة محافظا على الثوابت والاصول التي تجعل من الشكل الجديد يسمى (قصيدة) وعرفوا بأن حتى الشاعر القديم قد عانى من المشكلة ذاتها .

وعندما سُئلَ الأستاذ (عباس محمود العقاد) رحمه الله ، حول مفهوم التجديد في الشعر بوجه عام ... قال :

" إذا أوجزنا قلنا إن التجديد هو اجتناب التقليد ، فكل شاعر يعبر عن شعوره ، ويصدق في تعبيره فهو مجدد ، وإن تناول أقدم الأشياء " .

وأضاف قائلا :

" وإذا كان التجديد هو اجتناب التقليد، فالتجديد هو اجتناب الاختلاف ، والمختلف هو كل مَن يجدد ليخالف ، وإن لم يكن هناك موجب للخلاف "

• نفهم من هذين القولين ؛ ان العقاد لايعني بالتجديد هو مخالفة المألوف والخروج عن الاسس والثوابت او الانفلات الكامل .

ــ مِن كل ما استعرضناه ... نبغي الدخول الى مشروع تجديدي جديد في شكل القصيدة العربية .على يد الاستاذ ( شاكر الخياط ) وأسماه بـ (الْقَصِيْدَة المُؤْتَلـِفَة)

والاسم مُشتق من ائتلاف نوعين من اشكال الشعر ( عمود – حر – عمود.....) أو (حر – عمود – حر ....) والتي اخذتْ منه وقتاً ليس بالقليل وجهدا لايُستهان به ، كونه من ذوي الخبرة والاختصاص في هذا المجال . ومن اراد الاطلاع ، فليراجع مقاله بهذا الشأن والمعنون بـ (القصيدة المؤتلفة ) .

نقول وبتواضع :

مادام جسم القصيدة يحوي هذه الأسس التي يعتمد عليها الكلام المنظوم ، فما الضير من ان نجعل من جسم او هيكل القصيدة فيه شيء من التغيير والابتكار ، اي كالآلة في مرحلة التطور ، يمكن تغيير شكلها وجسمها لكنها تؤدي نفس الوظيفة والغرض وبنفس القوانين العلمية ، ماعدا تغير في اللون والمادة وصغر وكبر الاجزاء . وهذا هو المنطق الطبيعي للتطور والحداثة .

ومادامت الاوزان والقافية لا خلل فيها اثناء عرض النص ، والذكاء في الإنتقالة من العمود الى الحر او بالعكس ــ وهذا بإعتقادي يتطلب نوعا من الخبرة والذوق الشعري والمران ــ فلابأس من هذا النهج ، ولربما يُضَعّفُ رأيي مَن يرفض التجدد او من لايستعذب إلّا مايجده جاهزا ، او يرفض الفكرة كلها ، فله وما يرتأي ، كون الاعتقاد بالشيء هو مايناسب قناعة العقل .

ــ وهل تقبّل الادباء سابقا رأي السياب ونازك الملائكة ومشروعهما الادبي في التجديد ....؟؟؟

توصية :

ــــــــــــــ

لقد تناولت الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة بعض المتطلبات الضرورية التي يجب ان يعمل بها المُجَدِد من حيث وعيه التام وقناعته الثابته ــ وخاصة بعد تجربتها العسيرة مع اختلاف الرأي ــ  حيث انه وجد اسلوبا جديدا للقصيدة يعمل بنظام الوزن ، وأن يقدم الشاعر نماذجا من قصائده التجديدية لتتعرض للنقد والتقويم من ذوي الخبرة والاختصاص ، مع دعوة الشعراء بكل ثقة لاستخدام هذا النوع من القصيد .

وعندما كتب السياب او نازك ... لم يعرضوا بضاعتهم على خبراء الشعر ومحترفيه ، بل كَـتَبا ونـَشرا ، والكل ماكانوا يعرفون  شيئاً عن هذا اللون الشعري الجديد ، بسبب قلة وصعوبة أدوات التواصل الثقافي في ذلك الوقت إن لم تكن شبه معدومة ، اما الآن فالمجال مفتوح على مصراعيه ولله الحمد ... ولذلك أقترح مايلي :

1- ينشر الاستاذ شاكر الخياط ، منشورا يتضمن اسس المشروع وبكل حيثياته ، ليستطلع نشره كل الاصدقاء وغير الاصدقاء ممن يمتلكون رؤية وتطلع ورغبة في هذا الامر ، فهم بالتالي اصدقاء حرف وأدب ، ليكونواعلى اطلاع تام بالمشروع . ولننتظر ردودهم وآرائهم الكريمة ، لان ماطرحه الاستاذ الخياط على صفحة (سنابل الابداع) الموقرة قد لم تأتِ بالثمار كما يجب بسبب عدم المتابعة من الكثير من الاخوات والاخوة الادباء .

2- ، ليشاهد المتتبع نصوصاً وتجاربا ذاتيه من جنابكم استاذ (شكر الخياط) كي يستسيغها الذوق الأدبي ، وعندها سَنجِد ، كَم من الشعراء قد تقبلوا الفكرة ، ومدى انسجامها وتقبلها من قبل الرأي العام ، والجمهور المتابع .

3- تعريف الجمهور بهذا النوع من التجديد والاجابة على تساؤلاتهم ، وهذا ماسيتناوله صاحب المشروع مع التعليقات ، وخاصة اذا كانت تعبوية نقدية هادفة .

4- تنشر صفحة (سنابل الابداع ) قصائد للجمهور ومن نفس هذا النوع الشعري فقط ، وياحبذا في يوم معين لكي يكون محط انظار ومتابعة ، كي يستطيع صاحب الشأن من مناقشة وتقويم الفكرة ، وللتعرف كذلك على مدى استيعابها من قبل الجمهور .

• ويبقى الامر برمته خاضعا للذوق العام ، ومدى انتشاره بين اقلام الشعراء ، كي يرسخ ضمن قواعده السليمة ، ويصبح نوعا من الشعر يضاف الى ساحة الابداع.

والله الموفق ..............

احترامي وتقديري ...............

................................................................

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة الناقد غازي أحمد ابوطبيخ الموسوي لنص (ماذا يضيرك ) للشاعرحلمي السعد _العراق

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم