PNGHunt-com-2

ق .ق .ج والهندسة الشخصية بقلم الناقد العراقي كريم القاسم

يا أيها الغارقون في لُجّة السرد المترهّل، والمُحتمون بأسوارِ الوصف العقيم.. كُفّوا عن حشد الصفات، فالحقيقة لا تسكن الزحام. في مِحراقي هذا... لا مكان لثرثرةِ الحكواتية، ولا لترفِ السِيَر الطويلة، فنحن هنا بصدد (هندسة الانفجار). إنَّ كاتب الـ (ق.ق.ج) الرصين ليس حكّاءً، بل هو (قنّاصُ ماهيّة) يترصد اللحظة التي يغفل فيها الكائن عن قناعه ليرديه قتيلاً بـ (رصاصة الفعل) أو (نصل الحوار). نحن لا نبني الشخصية بطوب الكلمات، بل بـ (ديناميت التكثيف). إنني أدعوكم اليوم لتعلم فنِّ (التعرية اللحظية) حيث يتحول الحرف من أداة سترٍ إلى مِبضع كشفٍ يهتك حُجب الادعاء، ليضع الشخصية عارية تماماً أمام مرآة وجودها الصادمة. فلا تَملّوا من طولِ البيان، فالمعرفة ليست نُزهة على شواطئ الضحالة، بل هي (غوصٌ مُضنٍ) في لُجّة الحقائق. ومَن أراد الرصانة فليصبر على (الرحيق المُرّ) فإليكم ميثاق الهندسة بـ (الفعل الفاضح) و (حوار الصدمة). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (القصة القصيرة جداً وهندسة الشخصية) (الجزء السابع) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا الجزء هو العمود الفقري لهذه السلسلة النقدية. إن هذا الجزء هو الذي ينقل الكاتب من مرحلة (الوصف الخارجي) الذي يكتفي بنقل ما تراه العين، إلى مرحلة (التشريح النفسي) الذي يكشف ما تُخفيه الشخصية. فنحنُ هنا لا نكتفي بوصف (ماذا يفعل البطل) بل نختار فعلاً واحداً يغوص ليعلن للقارئ (مَن يكون هذا البطل) في حقيقتِه المخفية. إنها عملية استئصال للزوائد الكلامية، للوصول إلى جمرة المعنى بأقلّ عدد من الكلمات. ـ في فن الـ (ق,ق,ج) لا يملك الكاتب ترف تقديم الشخصية عبر الوصف المطول أو السرد التاريخي لسيرتها. هنا، يتم استبدال (السرد التفسيري) بـ (السرد الكاشف). إن التحدي الأكبر هو بناء شخصية كاملة ومقنعة بكلمات معدودة. ولتحقيق هذا الإنجاز، يعتمد الكاتب الرصين على أدوات قنص دقيقة: 1- الفعل الفاضح. 2- حوار الصدمة. هاتان التقنيتان تعملان كـ (صاعق) يضيء الخلفية النفسية والجوهرية للشخصية في لحظة واحدة ومكثفة. ــ والآن لتبحر في هذه التقنيات : أولاً: تقنية (الشخصية بالفعل الفاضح) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن الفعل الفاضح هو (الحركة) او الفعل الذي تم اختياره بعناية من قبل القاص ليكون رمزاً عميقاً يلخص تاريخ الشخصية ومصيرها في لحظة واحدة ومكثفة. وإنه الأداة الرئيسية لكشف و (تعرية الشخصية لحظياً ) في الـ (ق.ق.ج). وهو (سلوك واحد) أو (حركة مفاجئة) تقوم بها الشخصية، لكنها تكشف عن دوافعها الداخلية، تناقضاتها، أو حقيقتها التي ظل النص يمهد لها بشكل خفيّ. إذاً هو فعل يُغني عن فقرات كاملة من الوصف النفسي. واليك آليات التعامل مع هذا الفن : 1- آلية الكشف بـ (فعل وحيد): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • الوظيفة: تحويل فعل بسيط إلى رمز عميق يُلخّص تاريخ الشخصية أو مصيرها. • المثال الاثرائي: (انتظرَ الشتاء لكي يتوقف عن ارتداء القناع. وعندما سقطتْ أول قطرة مطر، مدّ يده وأغلق النافذة. كان يخشى أن يبتلّ القناع.) • التحليل: ـ الفعل الفاضح: (أغلق النافذة) خوفاً من أن (يبتل القناع). ـ الكشف: هنا ، نجد الفعل او الحركة (اغلق النافذة) لا يكشف الخوف من المطر، بل يكشف أن (القناع) هو الشيء الأثمن، أو أنه أصبح جزءً من هوية الشخصية. هذا الفعل البسيط يلغي الحاجة لشرح الازدواجية، ( الخداع، أو الانفصال عن الذات) الذي عاشه البطل. ــ في الـ (ق.ق.ج) الفعل ليس مجرد حركة فيزيائية، بل هو (انفجار دلالي) فحين يغلق البطل النافذة، فهو لا يمارس فعلاً وقائياً ضد المطر، بل يمارس فعلاً (انفصالياً) عن الطبيعة (الحقيقة). إن المطر في الأدب هو رمز (للطهارة) أو (كشف المستور). وإغلاق النافذة هنا هو (قرارٌ جوهري) بحماية الزيف (القناع) من التلاشي أمام الحقيقة (المطر). ـ الفعل الوحيد هنا تحوّل من (حركة عابرة) إلى (حكمٍ تاريخي) على الشخصية. إذاً هذا هو الفرق بين(القّصّ) وبين (الهندسة) الكاتب هنا مهندس استطاع أن يجعل من حركة اليد على مقبض النافذة شهادة وفاة للصدق الإنساني داخل النص. ـ إنّ روعة الكشف بـ (الفعلِ الوحيد) تكمن في قدرته على تحويل (الفيزيائي) إلى (ميتافيزيقي) فإغلاق النافذة هنا لم يكنْ دفاعاً عن الجسد، بل كان تحصيناً للزيف. لقد نجح القاصُّ في صهرِ (تاريخ الخداع الطويل) في (لحظةٍ خاطفة)، ليثبت أنّ القناع حين يلتصق بالروح، يصبح السقوط في الحقيقة هو الرعب الأكبر. ــ القاص الماهر هنا استخدم تقنية (الإزاحة الدلالية) فبدلاً من أن يصف لنا معاناة الشخصية مع ازدواجيتها، جعل (النافذة) هي الحد الفاصل بين الذات المزيفة والعالم العاري. ــ الفعل الفاضح (أغلق النافذة) هو اللحظة التي انتصر فيها (الزيف) على (الجوهر). • المفارقة: ــ الشخصية لا تخشى البلل (الأذى المادي) بل تخشى (انكشاف الملامح) مما يعني أن (القناع) لم يعد أداة للتخفي، بل صار هو (الوجه البديل). • الاقتصاد السردي وإلغاء الثرثرة: تخيل أخي المتلقي الكريم، لو أن كاتباً هاوياً أراد شرح هذه الحالة، لاحتاج إلى صفحات لوصف كيف أن بطل القصة يعاني من انفصام الشخصية، وكيف أنه يخدع الناس، وكيف يشعر بالرعب من اكتشاف أمره. لكننا هنا بـ (بضربة مِعولٍ واحدة) ذكية، وهي (أغلاق النافذة) هدمت جدار الغموض وكشفت لنا أن هذا الإنسان (مُستلب) تماماً لقناعه. 2- آلية الكشف عن (فعل العبث): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • الوظيفة: هي توظيف (فعلٍ) يفتقرُ في ظاهره إلى الغاية أو المنطق، لكنه في العمق يجسّدُ انكساراً نفسياً أو شعوراً باللاجدوى، حيث يصبح السلوك العبثي هو اللغة الوحيدة للتعبير عن الخواء المعرفي أو الوجداني. • المثال الإثرائي: (كل صباح، يذهبُ إلى المكتبِ ثم يعودُ بملفٍ فارغ. وعندما سألوه عن عمله، قال: أنا أراقبُ المقاعدَ الفارغة.) • التحليل: إنَّ فعل (مراقبة المقاعد الفارغة) يكشفُ عن شخصيةٍ تعيش حالةً من (تآك الجدوى) و (تلاشي الأثر) حيث يتحوّل الحضور الوظيفيُّ من فعلِ بناء وإنتاج إلى مجرد طقس لرصد الفراغ. القاصُّ هنا لم يسقط في فخِّ (الوصف المباشر) للإحباط، بل استنطق الحالة عِبرَ (العدم الملموس) فجعل البطل يمارس عملاً هو في حقيقته (لا فعل) مما يضع القارئ أمام مرآةٍ صادمة تعكس ضياعَ الهدف وهشاشةَ الوجود في واقع مُستلب. القاص هنا لم يصف إحباط الشخص ، بل جعله يقوم بفعل يدل على هذا الإحباط. • الكشف: أيها القاصون، إنَّ أصعب ما يواجه المبدع هو (رسم الصمت) أو (تجسيد الفراغ). في هذا النوع من الكشف، نحن لا نبحث عن فعلٍ (يُنجِز) شيئاً، بل نبحث عن فعلٍ (يُهدر) كل شيء، ليقول لنا إنَّ الشخصية محطمة من الداخل. ــ دعونا نتفقد الفرق بين (المنطق) و (العبث): إن الفعل المنطقي لا يثير دهشة الناقد، أما الفعل العبثي فهو صرخة صامتة. إن الشخصية في المثال لم تَقُل (أنا يائس) بل جعلتنا نرى (اليأس) وهو يمشي على قدمين نحو مكتب لا عمل فيه. استخدم القاص تقنية (المفارقة) فحين يكون الملف فارغاً والمهمة هي (رصد الفراغ) يكون القاص قد حوّل (العدم المعنوي) إلى (عدم ملموس). استطاع القاص هنا ان ينطلق من قاعدة هنا هي: (أرِني.. لا تخبرني) لا تصف الجرح، بل أرِنا النزيف. ـــ ولكي نكشف مكنونات هذا النص، علينا أن نقرأه بمِبضع الناقد عبر أربعة مستويات: أ‌- كشف المستوى الرمزي (الملف الفارغ): الملف هنا هو (وعاء الإنجاز) وحين يكون فارغاً فهو يمارس (التعرية الرمزية) إنه ليس مجرد ورقة بيضاء، بل هو سيرة ذاتية للعدم، واستنتاجٌ لجدوى يومٍ ضائع. ب‌- كشف مفارقة (المقاعد الفارغة): إن اختيار (المقاعد) تحديداً هو ذكاء سردي، فالمقعد مصمم ليُشغَل، وحين يراقب البطل (فراغه) فهو يراقب الغياب الإنساني. فالموظف هنا يراقب (نفسه) وهو حاضر جسدياً، لكنه (مقعد فارغ) معنوياً. ت‌- كشف (التآكل النفسي): إن كلمة (كل صباح) تحول العبث من نوبة إحباط عابرة إلى موت الكينونة. لقد تحول العمل من قيمة إلى قيد، ومن إنتاج إلى طقس لرصد الفناء. ث‌- كشف الواقع المُستلب و (المسكوت عنه): هنا نكشف عن الجهة التي غُيبتْ في النص، وهي (النظام) الذي يُلغي فاعلية الفرد. إن الفعل (العبثي) هنا هو (احتجاجٌ صامت) وقاسٍ ضد واقع يسرق المعنى من الإنسان، مما يضع القارئ أمام مرآةٍ صادمة تعكس هشاشة الحال. • اخي القاص الكريم : عندما تريد كتابة (ق.ق.ج) تعتمد على فعل (العبث) اختر مكاناً ذا غاية (مكتب، مدرسة، حرب) ثم اختر فعلاً ينسف هذه الغاية ببرود. وتذكر دائماً، كلما كان الفعل العبثي هادئاً، كان وقعه النفسي على القارئ أكثر ضجيجاً. ثانياً: تقنية (الشخصية بحوار الصدمة) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو ما ندعوه بـ (تكثيف الموقف) إن حوار الصدمة هو جملة حوارية واحدة أو اثنتان فقط، تقال في نهاية النص أو وسطه، وتكون كافية لقلب كل الافتراضات حول الشخصية أو كشف مأساتها الكبرى. 1- آلية الكشف بـ (الجملة الفاصلة): ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • الوظيفة: استخدام جملة (تقريرية أو سؤال) يكون بمثابة نقطة تحول مفاجئة تضيء العلاقة بين الشخصيات أو عمقها النفسي. • المثال الإثرائي: (قضى الأب ليلة كاملة وهو يحكي لابنه عن صراعات الحياة وضرورة أن يكون قوياً. وعندما انتهى، سأله الابن ببراءة: متى ستعود يا أبي من السفر؟) • التحليل: ـ حوار الصدمة: إن سؤال الابن ( متى ستعود من السفر؟) يكشف أن كل ذلك النصح والأبوة جاءت عبر (مكالمة هاتفية أو رسالة) وأن الأب غائب ومسافر فعلياً. • الكشف: ـ يكشف الحوار تناقض الأب (الذي ينصح بالقوة والضرورات وهو غائب) ـ ويكشف الحوار مأساة الابن الذي يختزل كل النصائح في جملة عن الحنين. ـ إن الحوار هنا ألغى الحاجة لشرح سنوات الغربة وتأثيرها. ـ إنَّ الحوار في القصة القصيرة جداً ليس (دردشة أو تبادلاً للمعلومات) بل هو شرارة الكشف. ـ في حوار الصدمة، نحن لا نبحث عن (ماذا قيل) بل عن (ماذا كشف القولُ عما قَبله؟). ـ في المثال الإثرائي، نجد تحول نوعي من (النصيحة الى الفجيعة) ونجد هنالك (بنية سردية مخادعة) فالنص يبني في ذهن القارئ صورة (الأب الواعظ) الذي يجلس بجانب ابنه في غرفة واحدة، لكن جملة الابن (متى ستعود يا أبي من السفر؟) عملت كـ (ممحاة دلالية) حيث مسحتْ المشهد القريب، ورسمتْ بدلاً منه (مشهد الاغتراب). ـ إن الجملة هنا لم تكن (سؤالاً) بقدر ما كانت (إدانة). لقد كشفت أنَّ الأبوة تحولت من (حضور واحتواء) إلى (صوت عبر الأسلاك). ـ يكشف لنا النص (بلاغة المسكوت عنه) وحوار الصدمة الذي يلغي (الزمن السردي) الطويل. فبدلاً من أن يخبرنا القاص عن معاناة الأب في الغربة، وعن شوق الابن، وعن محاولات الأب تعويض غيابه بالنصائح، جاءت جملة واحدة لتكثف كل هذه (السنوات) في (لحظة واحدة). ـ من خلال الكشف بالجملة الفاصلة (لماذا سأل الابن؟) وهو سؤال الابن (ببراءة) نجده يمثل قمة الصدمة، فالبراءة هنا هي التي فضحت (زيف الواقع). ـ إذاً الحوار الناجح في الـ (ق.ق.ج) هو الذي يعيد تعريف كل ما سبقه. فبعد جملة الابن، نحن لا نرى (أباً قوياً) بل نرى (أباً منكسراً وراء الحدود) ولا نرى (ابناً يتعلم) بل نرى (ابناً يتيماً) ووالده على قيد الحياة. ـ الدرس الذي نتعلمه هنا في الحوار الصادم هو الجملة التي إذا حُذفت، انهار كيان القصة بالكامل. • المفارقة : ـ يكشف الحوار عن فجوة هائلة بين (عقل الأب) المليء بصراعات الحياة و (قلب الابن) المليء بانتظار العودة. فالأب يقدم (دروساً في القوة) والابن يطلب (حضور الأب). ـ هذا التناقض يكشف أنَّ كل نصائح الأب هي آلية دفاعية ليغطي بها على شعوره بالذنب بسبب الغياب، بينما سؤال الابن هو الحقيقة العارية التي نسفت كل تنظيرات الأب. 2- الكشف عبر الاعتراف المُعاكس: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • الوظيفة: جعل الشخصية تعترف بشيء يناقض توقعات القارئ أو التمهيد السردي. • المثال الإثرائي: (عندما سقط المطر، دخلتْ المرأة إلى محطة الحافلات، وهي ترتجف من البرد. لكنها قالت للحارس: لا أريد أن أذهب إلى أي مكان، أنا فقط أبحث عن مكان لا أتذكر فيه.) • التحليل: ـ اعتراف المرأة بأنها (لا أريد الذهاب...) يكشف أن دافعها ليس الهروب المادي، بل الهروب من الذاكرة والألم النفسي. هذا الاعتراف يلغي كل الأسباب المادية المحتملة لارتجافها، ويؤكد أن الشخصية مدفوعة بالصراع الداخلي العميق. ـ في المثال الإثرائي، استخدم القاص مفردات مثل (سقط المطر، محطة حافلات، ترتجف من البرد). هذه الصور تمثل (التمهيد الخادع) حيث اها تخدع ذهن القارئ وتجعله يحصر سبب الارتجاف في (انخفاض درجة الحرارة. هذا هو التمهيد المادي الذي يسبق الانفجار المعنوي. ــ القاص استخدم أسلوب (الاعتراف المعاكي) او (الهروب الى اللا مكان) فعندما قالت: (لا أريد أن أذهب إلى أي مكان) هنا وقعت (الصدمة الأول). المرأة في محطة الحافلات (مكان السفر) ترفض السفر، ثم جاءت الصدمة الكبرى (أنا فقط أبحث عن مكان لا أتذكر فيه). • الكشف: ـــ الاعتراف هنا (عاكس) لالتوقعات، فالارتجاف لم يكن بسبب (البرد) بل كان بسبب (رعشة الذاكرة) . والهروب ليس من (المطر) بل من (طوفان الذكريات). ـــ في هذا التحليل الكشفي، نجد أنَّ (البرد) تحول من ظاهرة جوية إلى (صقيع نفسي). ـ إذاً الاعتراف المُعاكس يقوم بـ("إعادة تعريف) لكل ما سبقه. حيث اننا فجأة ندرك أنَّ (محطة الحافلات) ليست مكاناً للانطلاق، بل هي (ملجأ اضطراري) من مطاردة الأفكار. هذا الاعتراف يلغي (الخارج المادي) ويُسلط الضوء بقسوة على (الداخل المحطم). ــ الجمال في هذه التقنية يكمن في التناقض الصادم بين (الحاجة المادية) و (الرغبة النفسية) فالتوقع هو: ان المرأة بردانة تحتاج (دفء ، مواصلات). الواقع (الاعتراف) هو: ان المرأة متألمة تحتاج (نسياناً). هذا الاعتراف هو الذي يمنح الشخصية عمقاً إنسانياً هائلاً بكلمات قليلة جداً، لأنه كشف عن المأساة المقيمة) خلف ( الحالة العابرة. • أقول : ــــــــــــــــــ ـ إن فن (ق.ق.ج) هو فن التعرية اللحظية للشخصية. ـ إن القاص الماهر هو الذي لا يهتم بكمية الصفات التي يمنحها للشخصية، بل بـ (الفعل الواحد) الذي يستطيع كشف التاريخ والمصير. هذا الكشف المُكثَّف هو ما يضمن عمق الأثر الإنساني في النص. ـ إجعل حوارك كـ (الطلقة الأخيرة) لا تطلقها إلا في اللحظة التي تضمن فيها أنها ستصيب قلب المعنى. ـ لا تجعل الشخصية تتحدث لتملأ الفراغ، بل اجعلها تنطق لتهدم جدار الوهم الذي بنيتَه في بداية النص. ـ إنَّ الاعتراف المُعاكس هو قمة الذكاء السردي، لأنه يعتمد على كسر أفق التوقعات. ـ لكي تتقن (الاعتراف المُعاكس) ابدأ بوصف حالة مادية مألوفة (خوف، بكاء، جري، ارتعاش) ثم اجعل الشخصية تنطق باعترافٍ ينفي السبب المادي ويثبت سبباً نفسياً عميقاً لم يتوقعه القارئ. ـ اجعل كلمات الشخصية (تُكذّب) ما تراه العين، لتكشف عما يشعر به القلب. ـ القارئ يبني في مخيلته مبرراً منطقياً للفعل، ثم يأتي الاعتراف (ليهدم) هذا المنطق، ويستبدله بمنطق الوجع الداخلي. وهذا يسمّى (الانزياح الشعوري) أو (الانقلاب الدلالي) حيث يتحول النص من (التقرير) إلى (التنوير) ومن (الوصف) إلى (الكشف). ـ إنها اللحظة التي يسقط فيها (قناع المادة) لتبرز (هوية الألم)، وهو ما يمنح القصة القصيرة جداً صفة (الخلود اللحظي) في ذاكرة المتلقي. وهذا سيجعل الـ (ق.ق.ج) تخرج من حيّزِ الحكاية العابرة لتستقرَّ في رتبة الوثيقة، وتتحول من كلمات للمتعة إلى (صدمة معرفية) تزلزل الوعي وتختصر تجربة الحياة في لمح البصر. • والى بيانات قادمة بعون الله تعالى؟ • احترامي وتقديري. (كريم القاسم / بغداد) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

همسة بأذن كل !! العرب :شيخ شعراء مصر..عباس الصهبي

القفلة المباغتة في ق.ق.ج للناقد العراقي كريم القاسم