وقفة مع قصيدة ياسيد القلب للشاعرة حياة قالوش بقلم الأستاذ محمد الدمشقي
قال لي :
"معلش، الله يخليكي إذا فيكي تنشري إضاءتي لحالها، لو ما في إزعاج
أنا شاعر ونرجسي، بحب تكون إضاءتي لحالها هههه
أنتِ شاعرة تستحقين، حابب الناس تقرأها، وأنتِ عندك متابعين أكثر منّي "
مع وافر تقديري شكري ومودتي لك الشاعر الصديق محمد الدمشقي ولكم اصدقائي الاحبة هذه القراءة
🌹 🌹 🌹
————————
حقيقة نحن مع قصيدة تشبه جدولا عذبا من الرحيق الذي يتدفق ناعما سلسلا رقراقا... ويشعرنا بأننا في نزهة جميلة بين خمائل الأحلام
الفكرة رومانسية ولكنها ممتدة العبق شاسعة العطر تتجلى فيها عذوبة ورقة الشعر الأنثوي الحقيقي الذي لا تصنع فيه ولا تكلف ولا نظم... نرى هنا شعرا صرفا يريح النفس وينعش القلب ويسر الخاطر
اللغة بسيطة بعيدة عن الألفاظ الخشنة أو المتكلفة لأن القصيدة منهمرة من مزنة القلب دون أي نوع من الاستعراض أو الترهل بنفس الوقت فكأنها معزوفة سحرية أو رشفة عذبة من نبع شباب دائم نمير
وهنا نشعر بالسهل الممتنع تماما فكل شيء يدخل القلب والعقل معا فلا يطغى هذا على ذاك فنقرأ براحة ونشعر بالموسيقا تتغلغل في داخلنا وتنثر أزهارا وفراشات
وبرغم تلك البساطة الظاهرية نجد أن القصيدة تعج بالصور المدهشة التي من الصعب كثيرا أن تأتي من مستشعر أو متشاعرة بل من شاعرة حقيقية بكل ما تملكه من مقومات نجاح وتفوق في القصيدة حيث الإتقان لغة وأسلوبا والخيال المحلق الراقي والروح المشرقة العاشقة
عندما أقرأ للشاعرة اللبنانية حياة قالوش أتذكر كثيرا عذوبة جبران وايليا أبي ماضي وغيرهم من شعراء لبنان الذين نرى الطبيعة الخلابة جزءا من أسلوبهم وهذا انعكاس لطبيعة لبنان الساحرة وما تركته في قلوبهم من عذوبة وحب للحياة والجمال ... تذكرني قصائدها كثيرا بجبران الذي كان يبحث عن الراحة والسعادة والتصالح مع الكون والحياة بالحب والبساطة والدفء الشعوري والعودة إلى الفطرة الإنسانية اللطيفة العذبة بعيدا عن أي نوع من التوتر العاطفي أو الانفعال الحسي ليكون الحب هنا نوعا من السلام الداخلي والصفاء الذي ينعكس على نظرتنا للحياة
كالنُّورِ دونَ انْكِسارٍ أُوقِظُ الشَّجرا
وَفِي فُؤادِي حَنِينٌ يَرْسُمُ القمرا
وأغزِلُ الحُلْمَ مِنْ أفْياء دالِيَتي
كَيْ لا يَضِيعَ الَّذِي فِي داخِلِي كَبُرا
نعم هو ذلك النور الذي ينسل خلسة ليوقظ خضرة الروح وحنين القلب للحب والأمل... حنين يرسم قمرا في مدلهم الليل وينثر نجمات في حلكة الآهات...
لاحظوا الصور والانزياحات والتجسيد والتشخيص والاستعارات توقظ الشجر وتغزل الحلم وترسم قمرا بفرشاة الشعور
لماذا ؟ ... لكي لا يضيع ما في داخلنا من حب... الحب الذي يكبر ولا يضمحل وينمو ولا يشيخ... هي رغبة في الحفاظ على ما تبقى من إنساننا فما معنى الإنسان دون شعور وعاطفة وحب
وَجْهٌ يُعَانِقُنِي يَحْتَلُّنِي شَغَفًا
يَقُولُ: إِنَّا مَعًا قَدْ نَصْنَعُ القَدَرَا
تجسيد رائع للحب كمعنى على شكل وجه... هو الحبيب الذي يرسمه الحلم وتفوح به أزاهير الفؤاد... الحب الذي يصنع لنا قدرا أجمل بالتلاقي والوصل والتعاضد وهنا يمتد المعنى الرمزي ليكون دور الحب في منحنا طاقة ايجابية دافعة عبر التلاقي والتواصل الشعوري... فمعاً ومعاً فقط نستطيع أن نغير الأقدار لمصلحتنا
وَإِنَّنِي فِي خَيَالِ الأَمْسِ كُنْتُ لَهُ
فِي خَافِقٍ رَقَّ أَوْ فِي طائرٍ عَبَرَا
نعم قد نلمح الطاقة الإيجابية للحب من خلال خافق رق أو طائر رفرف أو وردة تفتحت في الخيال واللاوعي وفي الواقع أيضا فيرتبط الخيال بالواقع وتصبح الحياة أجمل
يَا مَنْ إِذَا لامَسَتْ عَيْنَاكَ قَافِيَتِي
عَادَ اليَبَابُ شَذًا وَاخْضَرَّ وَانْهَمَرَا
صورة ساحرة هنا فالقافية هنا هي الحياة... الحياة بكل ما فيها وليس القصيدة فقط... فالقصيدة نهر شباب يجري ليعيد للروح رونقها وللكون شذاه
قَدْ عَلَّمَتْنِي رُؤَاكَ السَّيْرَ شَامِخَةً
حَتَّى إِذَا غِبْتَ بَاتَ القَلْبُ مُنْكَسِرَا
وهنا نرى إيجابية الحب وهمته العالية وروحه الوثابة... فالحب شموخ ورفعة وثقة وقوة... لا معنى للحب إن لم يجعلنا أقوى وأروع... وللاسف يفهم كثيرون الحب بطريقة خاطئة سلبية فيها وهن وضعف وانكسار... هذا ليس حبا حقيقيا فالحب طاقة دافعة تجعلنا أروع وأجمل وأقوى
نَهْرُ الدُّمُوعِ الَّذِي قَدْ كُنْتُ أَكْتُمُهُ
تَرَاهُ مَا بَيْنَ أَعْمَاقِ الضُّلُوعِ جَرَى
ما أجمل انهمار دمع الاشتياق... دمع ارتواء القلب بالحب من بعد طول ظمأ... دمع انهمار ندى الشعور على زنابق الروح لتنتعش... دموع الحب التي تجعلنا نبكي على كل لحظة مرت قبله ومن دونه
لا صَوْتَ إِلَّا ضَجِيجُ الصَّمْتِ فِي شَفَتِي
مَا قِيمَةُ الحُبِّ إِنْ لَمْ يُنطِقِ الحَجَرَا
ما قيمة الحب إن لم ينطق الحجرا... هنا تكمن زبدة القول وهنا جوهر القصيدة ومغزاها... الحب هو الصوت القادر على إحياء الروح وانطاق الحجر وإنعاش القلب... ومن دونه كل حياتنا ضجيج صمت وكلماتنا ضوضاء لا معنى لها ولا بريق
فَخُذْ يَدِي… إِنَّنِي فِي العِشْقِ نَازِفَةٌ
مِنْ ظامِئاتِ المُنَى أسْتنْهِضُ الْمَطَرَا
نعم فالحب هو طوق النجاة... هو الغيث الذي يطفئ حرائق القلوب ويحيي حدائق الأرواح....
قصيدة لخصت كل معاني الحب وبينت لنا قيمته كطاقة إيجابية دافعة بناءة و بأسلوب رقيق عذب وشاعرية محلقة سلسة فيها انسجام واضح بين كل مكونات البنيان الشعري من مفردات وصور وتراكيب
مفردات الروي جاءت في مكانها وحدها وانهمرت شعوريا دون أي تكلف منسجمة مع البيت قادرة على منحه ألقه مكملة معناه
الربط بين الشطرين كان سلسا عذبا معتمدا على كل انواع الربط الأساسية من فعل ورد فعل وسبب ونتيجة ومقابلات واستئناف
البحر البسيط كان مع شاعرتنا رائعا سلسا شفيفا رغم انه ليس بحرا سهلا ابدا
القافية راء مطلقة الألف وإطلاق الألف مناسب للهدف فالحب انطلاق وسمو والراء نابعة من الروح
ايضا نلاحظ الحروف الهامسة التي تناسب عذوبة النص وشفافيته وانوثته
كذلك نلاحظ تكرار بعض الحروف بصنعة بديعية فطرية كتكرار حرف الراء في ذلك البيت
يُطَوِّقُ الروحَ بِالأَشْعَارِ يَغْمُرُها
كَمَنْ أَتَى مِنْ نداء الغَيْبِ مُعْتَذِرَا
بالمجمل قصيدة ناعمة قصيرة لكنها حملت الكثير بين سطورها بتكثيف شاعري ساحر وروح مشرقة عاشقة
مع تحيات محمد الدمشقي
محمد الدمشقي
Hayat Kalouche
تعليقات
إرسال تعليق